فهرس الكتاب
فَهَلْ ذَلِكَ مُعْتَمَد ، أَوْ لَا ؟ ( فَأَجَابَ ) نَفَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ خِلَافُ ظَاهِرِ ذَلِكَ فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَجَهِلَ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَا فَسْخَ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ غَابَ مُعْسِرًا فَلَا فَسْخَ أَيْضًا كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ النِّكَاحِ فَلَوْ شَهِدَتْ بِإِعْسَارِ الْغَائِبِ الْآنَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ زَوَالَهُ وَجَازَ الْفَسْخُ حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ إذَا ثَبَتَ إعْسَارُ الْغَائِبِ عِنْدَ حَاكِمٍ بَلَدِ الزَّوْجَةِ جَازَ الْفَسْخُ إذْ صُورَتُهُ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِإِعْسَارِهِ فِي الْحَالِ وَذَكَرَ دَعْوَى الضَّمَانِ فِي عِبَارَة الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ عِنْده لِإِثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ لِتَقُومَ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ إنْكَارِ مُنْكِرٍ فَيُثْبِتُ مُقْتَضَاهَا فَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى الْفَسْخِ لَا أَنَّهَا تُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِالْعَجْزِ عَنْ الْفِقْهِ الْمَضْمُونَةِ الْمَاضِيَةِ وَلَا بِعَجْزِ الضَّامِنِ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ .
وَقَوْلُهُ: فَيُنْكِرُ فَتُقِيمُ الْبَيِّنَةَ ظَاهِرَةً تُوقَفُ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِإِسْقَاطِ حَقٍّ لَهُ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ دِينِهِ فَإِنَّ الْقَاضِي لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِالْبَرَاءَةِ لَكِنَّ حِيلَتَهُ أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَالَهُ بِهِ فَيَعْتَرِفُ بِذَلِكَ وَيَدَّعِي الْبَرَاءَةَ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ حِينَئِذٍ وَبَيِّنَتُهُ .
( وَسُئِلَ ) عَمَّا إذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فَغَابَ عَنْهَا فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ثُمَّ عَادَتْ إلَى طَاعَتِهِ وَتَعَذَّرَ إنْهَاءُ الْخَبَرِ إلَيْهِ لِفَقْدِ مُؤْنَةِ الْبَعْثِ هَلْ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ أَوْ لَا وَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ لَا ؟ ( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّاشِزَ إذَا غَابَ زَوْجُهَا لَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا بِعَوْدِهَا إلَى الطَّاعَةِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَقْضِيَ بِطَاعَتِهَا ثُمَّ يُرْسِلُ يُخْبِرُ الزَّوْجَ بِذَلِكَ فَإِذَا رَجَعَ هُوَ ، أَوْ وَكِيلُهُ وَتَسَلَّمَهَا عَادَتْ النَّفَقَةُ وَإِنَّ عَلِمَ وَلَمْ يَرْجِعْ هُوَ وَلَا وَكِي لَهُ عَادَتْ إذَا مَضَى زَمَنُ إمْكَانِ عَوْدِهِ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُهُ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّ الْحَاكِمَ يَكْتُبُ إلَى حَاكِمِ الْبِلَادِ الَّتِي تَرِدُهَا الْقَوَافِلُ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ لِيَطْلُبَ وَيُنَادِي بِاسْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا بِمَا يَصْرِفُ إلَيْهَا لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ ، أَوْ طَلَاقِهِ ا هـ .
وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَحِلٍّ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ الْخَبَرِ مِنْ الْحَاكِمِ إلَيْهِ إمَّا لِخَوْفِ طَرِيقٍ ، أَوْ نَحْوِهِ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَإِنْ شَاءَ اقْتَرَضَ لَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْقَرْضِ ، أَوْ فَرَضَ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ لِيُوَفِّيَهَا إذَا حَضَرَ وَذَكَرَ الْغَزِّيُّ أَنَّهَا إذَا بَذَلَتْ الطَّاعَةَ وَهُوَ غَائِبٌ وَأَعْلَمُهُ الْقَاضِي فَقَصَّرَ فِي تَسَلُّمِهَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ يَسَارُهُ ، أَوْ تَوَسُّطُهُ ا هـ .
وَأَمَّا فَسْخُ النِّكَاحِ فَالْمُعْتَمَدُ مِنْ اضْطِرَابٍ طَوِيلٍ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزَ إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ الْآنَ مُعْسِرٌ عَاجِزٌ عَنْ أَقَلّ وَاجِبِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَلَا يَكْفِي فَقْدُ خَبَره وَلَا امْتِنَاعُهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَلَا غَيْبَتُهُ مُعْسِرًا .
فَكُلُّ هَذِهِ وَنَحْوُهَا لَا يَجُوزُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِمَا ذَكَرَ وَلَا تَسْأَل مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْيَقِينِ فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ فِي الْجَزْمِ بِالشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِمُسْتَنَدِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ .