فهرس الكتاب
هَذِهِ الْكُتُبِ إلّا السّقُوطُ بِدُونِ اسْتِثْنَاءِ فَرْضٍ وَإِنّمَا يُوجَدُ اسْتِقْرَارُهَا إذَا فَرَضَهَا الْحَاكِمُ فِي"الْوَسِيطِ"و"الْوَجِيزِ"وَشَرْحِ الرّافِعِيّ وَفُرُوعِهِ وَقَدْ صَرّحَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيّ فِي"تَهْذِيبِهِ"وَالْمَحَامِلِيّ فِي"الْعُدّةِ"وَمُحَمّدُ بْنُ عُثْمَانَ فِي"التّمْهِيدِ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِي"الْمُعْتَمَدِ"بِأَنّهَا لَا تَسْتَقِرّ وَلَوْ فَرَضَهَا الْحَاكِمُ وَعَلّلُوا السّقُوطَ بِأَنّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ لِإِحْيَاءِ النّفْسِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ وَهَذَا التّعْلِيلُ يُوجِبُ سُقُوطَهَا فُرِضَتْ أَوْ لَمْ تُفْرَضْ . وَقَالَ أَبُو [ ص 452 ] مَصِيرُهُ دَيْنًا فِي الذّمّةِ وَاسْتُبْعِدَ لِهَذَا التّعْلِيلِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنّ نَفَقَةَ الصّغِيرِ تَسْتَقِرّ بِمُضِيّ الزّمَانِ وَبَالَغَ فِي تَضْعِيفِهِ مِنْ جِهَةِ أَنّ إيجَابَ الْكِفَايَةِ مَعَ إيجَابِ عِوَضِ مَا مَضَى مُتَنَاقِضُ ثُمّ اعْتَذَرَ عَنْ تَقْدِيرِهَا فِي صُورَةِ الْحَمْلِ عَلَى الْأَصَحّ . إذَا قُلْنَا: إنّ النّفَقَةَ لَهُ بِأَنّ الْحَامِلَ
مُسْتَحِقّةٌ لَهَا أَوْ مُنْتَفِعَةٌ بِهَا فَهِيَ كَنَفَقَةِ الزّوْجَةِ . قَالَ وَلِهَذَا قُلْنَا: تَتَقَدّرُ ثُمّ قَالَ هَذَا فِي الْحَمْلِ وَالْوَلَدِ الصّغِيرِ أَمّا نَفَقَةُ غَيْرِهِمَا فَلَا تَصِيرُ دَيْنًا أَصْلًا . انْتَهَى . وَهَذَا الّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ هُوَ الصّوَابُ فَإِنّ فِي تَصَوّرِ فَرْضِ الْحَاكِمِ نَظَرًا لِأَنّهُ إمّا أَنْ يَعْتَقِدَ سُقُوطَهَا بِمُضِيّ الزّمَانِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُهُ لَمْ يَسُغْ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ وَإِلْزَامُ مَا يَعْتَقِدُ أَنّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ سُقُوطَهَا مَعَ أَنّهُ لَا يَعْرِفُ بِهِ قَائِلٌ إلّا فِي الطّفْلِ الصّغِيرِ عَلَى وَجْهٍ لِأَصْحَابِ الشّافِعِيّ . فَإِمّا أَنْ يَعْنِيَ بِالْفَرْضِ الْإِيجَابَ أَوْ إثْبَاتَ الْوَاجِبِ أَوْ تَقْدِيرَهُ أَوْ أَمْرًا رَابِعًا فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابُ فَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَلَا أَثَرَ لِفَرْضِهِ وَكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ إثْبَاتُ الْوَاجِبِ فَفَرْضُهُ وَعَدَمُهُ سِيّانِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ تَقْدِيرُ الْوَاجِبِ فَالتّقْدِيرُ إنّمَا يُؤَثّرُ فِي صِفَةِ الْوَاجِبِ مِنْ الزّيَادَةِ وَالنّقْصَانِ لَا فِي سُقُوطِهِ وَلَا ثُبُوتِهِ فَلَا أَثَرَ لِفَرْضِهِ فِي الْوَاجِبِ الْبَتّةَ هَذَا مَعَ مَا فِي التّقْدِيرِ مِنْ مُصَادَمَةِ الْأَدِلّةِ الّتِي تَقَدّمَتْ عَلَى أَنّ الْوَاجِبَ النّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ فَيُطْعِمُهُمْ مِمّا يَأْكُلُ وَيَكْسُوهُمْ مِمّا يَلْبَسُ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَمْرٌ رَابِعٌ فَلَا بُدّ مِنْ بَيَانِهِ لِيَنْظُرَ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ الْأَمْرُ الرّابِعُ الْمُرَادُ هُوَ عَدَمُ السّقُوطِ بِمُضِيّ الزّمَانِ فَهَذَا هُوَ مَحَلّ الْحُكْمِ وَهُوَ الّذِي أَثّرَ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَتَعَلّقَ بِهِ . قِيلَ فَكَيْفَ
يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَقِدَ السّقُوطَ ثُمّ يُلْزِمُ وَيَقْضِي بِخِلَافِهِ ؟ وَإِنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ السّقُوطِ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَمَعْلُومٌ أَنّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فَإِذَا كَانَتْ صِفَةُ هَذَا الْوَاجِبِ سُقُوطَهُ بِمُضِيّ الزّمَانِ شَرْعًا لَمْ يُزِلْهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ عَنْ صِفَتِهِ . فَإِنْ قِيلَ بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَاكِمُ السّقُوطَ بِمُضِيّ الزّمَانِ مَا لَمْ [ ص 453 ] لِأَجْلِ الْفَرْضِ لَا بِنَفْسِ مُضِيّ الزّمَانِ . قِيلَ هَذَا لَا يُجْدِي شَيْئًا فَإِنّهُ إذَا اعْتَقَدَ سُقُوطَهَا بِمُضِيّ الزّمَانِ وَإِنّ هَذَا هُوَ الْحَقّ وَالشّرْعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُلْزَمَ بِمَا يَعْتَقِدُ سُقُوطَهُ وَعَدَمَ ثُبُوتِهِ وَمَا هَذَا إلّا بِمَثَابَةِ مَا لَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ مُضْطَرّ وَصَاحِبُ طَعَامٍ غَيْرُ مُضْطَرّ فَقُضِيَ بِهِ لِلْمُضْطَرّ بِعِوَضِهِ فَلَمْ يَتّفِقْ أَخْذُهُ حَتّى زَالَ الِاضْطِرَارُ وَلَمْ يُعْطِ صَاحِبَهُ الْعِوَضَ أَنّهُ يُلْزِمُهُ بِالْعِوَضِ وَيُلْزَمُ صَاحِبُ الطّعَامِ بِبَذْلِهِ لَهُ وَالْقَرِيبُ يَسْتَحِقّ النّفَقَةَ لِإِحْيَاءِ مُهْجَتِهِ فَإِذَا مَضَى زَمَنُ الْوُجُوبِ حَصَلَ مَقْصُودُ الشّارِعِ مِنْ إحْيَائِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الرّجُوعِ بِمَا فَاتَ مِنْ سَبَبِ الْإِحْيَاءِ وَوَسِيلَتِهِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ السّبَبِ بِسَبَبِ آخَرَ . فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا يَنْتَقِضُ عَلَيْكُمْ بِنَفَقَةِ الزّوْجَةِ فَإِنّهَا تَسْتَقِرّ بِمُضِيّ الزّمَانِ وَلَوْ لَمْ تُفْرَضْ مَعَ حُصُولِ هَذَا الْمَعْنَى الّذِي ذَكَرْتُمُوهُ بِعَيْنِهِ .
[ الْفَرْقُ بَيْنَ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزّوْجَاتِ ]