فهرس الكتاب
فإذا صدر الإيلاء من الزّوج ، وهو في هذه الحال لا يعتبر ، وإن كان يعلمه ويريده ، لأنّ هذا العلم وهذه الإرادة غير معتبرين ، لعدم حصولهما عن إدراكٍ صحيحٍ ، كما لا يعتبر ذلك من الصّبيّ المميّز.
-2 - المغمى عليه والنّائم ، فالمغمى عليه في حكم المجنون ، ومثله النّائم ، لأنّه لا إدراك عنده ولا وعي ، فلا يعتدّ بالإيلاء الّذي يصدر عنه كما لا يعتدّ بطلاقه.
-3 - السّكران ، وهو الّذي صار عقله مغلوبًا من تأثير المسكر ، حتّى صار يهذي ويخلط في كلامه ، ولا يعي بعد إفاقته ما كان منه في حال سكره ، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ إيلاء السّكران لا يعتبر إذا كان سكره من طريقٍ غير محرّمٍ ، كما لو شرب المسكر للضّرورة ، أو تحت ضغط الإكراه ، لأنّ السّكران لا وعي عنده ولا إدراك كالمجنون والنّائم ، بل أشدّ حالًا من النّائم ، إذ النّائم ينتبه بالتّنبيه ، أمّا السّكران فلا ينتبه إلاّ بعد الإفاقة من السّكر ، فإذا لم يعتبر الإيلاء الصّادر من النّائم ، فلا يعتبر الإيلاء الصّادر من السّكران بالطّريق الأولى.
واختلفوا فيما إذا كان السّكر بطريقٍ محرّمٍ ، وذلك بأن يشرب المسكر باختياره ، وهو يعلم أنّه مسكر ، من غير ضرورةٍ حتّى يسكر ، فقال بعضهم: يعتبر إيلاؤه ، وهو قول جمهور الحنفيّة ومالكٍ والشّافعيّ وأحمد في روايةٍ عنه ، لأنّه لمّا تناول المحرّم باختياره يكون قد تسبّب في زوال عقله ، فيجعل موجودًا عقوبةً له وزجرًا عن ارتكاب المعصية.
وقال بعضهم: لا يعتبر إيلاؤه ، وهو قول زفر من الحنفيّة واختاره الطّحاويّ والكرخيّ ، وهو أيضًا قول أحمد في روايةٍ أخرى عنه ، وهو منقول عن عثمان بن عفّان وعمر بن عبد العزيز.
وحجّتهم في ذلك: أنّ صحّة التّصرّف تعتمد على القصد والإرادة الصّحيحة ، والسّكران قد غلب السّكر على عقله ، فلا يكون عنده قصد ولا إرادة صحيحة ، فلا يعتدّ بالعبارة الصّادرة منه ، كما لا يعتدّ بالعبارة الصّادرة من المجنون والمعتوه والنّائم والمغمى عليه.
والشّارع لم يترك السّكران بدون عقوبةٍ على سكره ، حتّى نحتاج إلى عقوبةٍ أخرى ننزلها به ، خصوصًا إذا كانت هذه العقوبة الأخرى لا تقتصر على الجاني ، بل تتعدّاه إلى غيره من الزّوجة والأولاد.
وأساس هذا الاختلاف هو الاختلاف في اعتبار طلاقه وعدم اعتباره: فمن قال باعتبار طلاقه قال باعتبار إيلائه ، ومن قال بعدم اعتبار طلاقه قال بعدم اعتبار إيلائه ، لأنّ الإيلاء كطلاقٍ معلّقٍ عند بعضهم ، وسبب للطّلاق عند آخرين ، فيكون له حكمه.
«د - ما يشترط في المدّة المحلوف عليها»
14 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الإيلاء لا بدّ له من مدّةٍ يحلف الزّوج على ترك قربان زوجته فيها.
لكنّهم اختلفوا في مقدار هذه المدّة.
فقال الحنفيّة: إنّ مدّة الإيلاء أربعة أشهرٍ أو أكثر ، وهو قول عطاءٍ والثّوريّ ورواية عن أحمد.