فهرس الكتاب
الذُّرِّية لها في قلب الإنسان مكانة عالية غالية؛ لأن الوالد يرى أن حياته تتجدَّد وتمتدُّ في صورة ابنه، وفي خطواته على الطريق، ولذلك لم يكن عجيبًا ولا غريبًا أن نجد القرآن الكريم يقول: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( الكهف: 46 ) وأن نجد الأحنف بن قيس يقول عن الأولاد:"هم ثِمار قلوبنا، وعِماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة".
وروى"العقد الفريد"أنه جاء في الحديث المرفوع"ريحُ الولد من ريحِ الْجنة"، وجاء فيه أيضًا:
"الأولاد مِن ريحان الله". ولما بُشِّرَ سيدنا رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بابنته فاطمة قال:"ريحانة أشُمُّهَا ورِزْقُهَا على الله"، وقال معاوية عن ابنته عائشة:"هذه تفاحة القلب"إلى غير ذلك من الأقوال التي تُنبئ عن المكانة العظيمة التي تحتلها الذرية، ويَحْظى بها الأولاد.
أقسم الله بالولد في القرآن:
ولو ذهبنا نبحث عن مكانة الولد في الإسلام لبهرتنا
هذه المكانة، وحسبنا أن نجد الله ـ تبارك وتعالى ـ يُقسم في القرآن الكريم بالولد، فيقول جل جلاله: ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) ( البلد 1 ـ 3 ) . كما أن الله تعالى حينما يتحدث عن مظاهر قدرته، وآيات رحمته، ودلائل ألوهيته، وبراهين ربوبيته، يجعل من بين ذلك اقتدار البديع على
خلق الذرية، وإيجاد الأولاد، فتارة يقول سبحانه: ( وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ) . ( الحج: 5 ) وتارة نجده يُحدثنا عن خلق الإنسان، وعن إبداعه له منذ كان جنينًا، في أبدع صورة وأجلِّ مظهر، فيقول: ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَك ) ( الانفطار 6 ـ 8 ) .
الذرية من نعم الله:
ثم نجد القرآن الكريم يُحدثنا بأن الذرية من نعم الله تعالى، التي يمُن بها على خِيار عِباده ونماذج خلقه العُليا، وهم الأنبياء والمرسلون، فهو تارة يقول مُخاطبًا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ، وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّة ) ( الرعد: 38 ) ، وتارة يقول على لسان أحد أنبيائه: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) ( إبراهيم: 40 ) .
وتارة نجد القرآن المجيد يقول عن زكريا ـ عليه السلام ـ: ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّك سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) ( آل عمران: 38 ) .
التحذير من الاعتداء على الذرية:
وتمتد عناية القرآن بالولد منذ البداية إلى النهاية، فهو يُحَذِّر كل التحذير من الاعتداء على الذرية حيث يقول: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) ( الإسراء: 31 ) . وتارة يقول: ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ( الأنعام 140 ) . وتارة يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَلَّا يُشْرِكْنَ بِالِله شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ ، وَلَا يَزْنِينَ ، وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ ، وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ ،