فهرس الكتاب
ب ـ وأمّا في حكم الشريعة الإسلامية التي نَدين بها؛ فإن لهذه الحادثة حكمين: حكمًا في القَضاء وحكمًا في الدِّيانة، أي: حكمًا يَقضي به القاضي عند الخُصومة إذا تَقاضَى إليه الطرفان في هذه الدنيا، وحكمًا يحكم به أحكم الحاكمين في الآخرة.
1 -فحكم القضاء الدنيوي شرعًا في هذه القضية هو كحكم القانون الوضعي الذي بَيَّنْتُه لكم آنفًا، فالقاضي يجب أنْ يقضي بمِلكية من نَقل الوالد إليهم من أولاده ملكية بعض عَقاراته أو كلِّها نقلًا صحيحًا في حياته وحال صحته ونَفاذ تَصرُّفاته، وبِمنْع كل مُعارَضة أو مُزاحَمة لهم من الإخْوة أو الأخوات الآخرين في هذه الحياة الدنيا؛ لأنَّ القضاء في الإسلام يَقوم على أساس الأسباب الظاهرة كما في القانون الوضعي تمامًا، ويترك ما وراء ذلك إلى حكم الدِّيانة، أي: حكم الله تعالى في الآخرة.
2 -وفي حكم الدِّيانة الذي يُحاسِب الله تعالى عليه في الآخرة يُعتبر تفضيل الوالد في حياته بعض أولاده على بعض من ذكور وإناث في العَطِيَّة عملًا محظورًا منهيًّا عنه، يَكتَسِب به الوالد الإثم، لقوْل الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"ساوُوا بين أولادكم في العَطِيَّة، ولو كنت مفضِّلًا أحدًا لفضلتُ النساء على الرجال" (1)
وفي حديث النعمان بن بَشِير:"اتقوا الله واعْدلوا في أولادكم" (2)
قال ابن عابدين ـ رحمه الله ـ في بحث مراعاة شرط الواقِف من كتاب الوَقْف في حاشية"رد المحتار"عند البحث في قول الواقف (على الفريضة الشرعية) بعد إيراده الأحاديث المذكورة ـ ما نَصُّه:
"فالعدل من حقوق الأولاد في العَطَايا، والوَقْف عَطِيَّة، فيُسوَّى بين الذَّكَر والأُنْثَى، لأنهم فَسَّروا العدل في الأولاد بالتسويَة في العَطَايا حال الحياة".
ثم نقل ابن عابدين ـ رحمه الله ـ اختلاف أئمة المذهب الحنفي وفقهائه فيما إذا أَعْطَى الشخص في حياته للذَّكَر من أولاده ضِعف الأنثى، كما في حالة الميراث، هل يُعتبر هذا إخلالًا بالعدل الواجب؟، ورَأْيُ أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ أنَّ هذا يُعتبر إخلالًا، فلا يَجوز أْن يُؤْثر أحدًا من أولاده من ذَكَر أو أنثى بفضل العَطِيَّة، إلا إذا كان التفضيل لِسبب مُسَوَّغ شرعًا كزيادة فَضْل في الدِّين عند أحدهم.
ورأَى أنَّ من جملة الأسباب المسوِّغة للتفضيل كون من فضله عاجزًا، أو مريضًا مزمنًا، أو طالِب عِلْم يَحتاج إلى النفقة، أو صغيرًا لم يَنَلْه من رِفْد الوالد في حياته ما نال إخوته الكِبار ونحو ذلك، فيَكُون التفضيل لهذه الأسباب بمقدار ما تَقتضِيه هو الذي يُحقِّق العدل والمساواة، ويُتدارك به ما فات، وتُلبَّى به الحاجة المشروعة، أمّا على أساس إيثار الذُّكُور وحِرمان الإنَاث، أو على أساس إيثار مَن تَمِيل إليه نفْسه أكثر من غيره، أو إيثار أولاد زوجة على أولاد زوجة أخرى، أو نحو ذلك من البَواعث الانحرافيَّة، فهذا غير جائز شرعًا، وفاعِلُه آثِمٌ، وإنْ كان فِعله نافذًا قضاء في هذه الدنيا إذا كان تصرفًا مُنْجَزًا صادرًا من الوالد في حياته، وحال صحته الجسمية والعقلية.
أما إذا كان في اختلال عقليٍّ، أو في مَرَض الموت، أو كان غير مُنْجَز، بل بطريق التصرف المضاف إلى ما بعد الموت، ففي أمْر صِحَّته أو نَفاذه في القضاء تفصيل لا مَحَلَّ لذِكْره الآن، لأنه غير مسئول عنه.