لمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ ومَوَالِيكُمْ). (الآيتان: 4 ـ 5 من سورة الأحزاب) .
زيد بن حارثة:
وقد تبَنَّى النبي ـ صلى الله عليه وسلم، على سُنة العرب، وقبل التشريع ـ زيدَ بن حارثة، فكان يُدعي: زيدَ بنَ محمد، وحينما طلبه أَبُوه وأهلُه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَكَلَ النبي الأمر إلى اختيار زيد، فآثَرَ زيدٌ أُبُوَّةَ النبي على أبوة أبيه، ورضي الجميع بذلك، وانصرفوا عنه، وتركوه مُتَبَنَّى تَبِنِّي الرسول فرحينَ مسرورينَ، فلما جاء القرآن بإبطال التبنِّي أمر الله نبيَّه أن يُنَفِّذَ بنفسه تطبيق ذلك التشريع الجديد في مُتَبَنَّاهُ؛ ليكونَ ذلك عند الأمة باعثًا على الامتثال والمُسارعة إلى القبول، دون تحرُّج من ترْك ما ألِفُوا.
أمر الله نبيه بتنفيذ التشريع الجديد، وإهدار السُّنَّةَ السابقة فيما يختصُّ بالتبنِّي، وفي سبيل ذلك طلب منه أن يتزوج بحليلةِ مُتبناه زيد بن حارثة، وقد اتَّفق في ذلك الوقت أن زيدًا كان قد طلَّقها، وقد جاء ذلك في قوله ـ تعالى ـ من سورة الأحزاب أيضًا: (فلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لكَيْ لا يَكُونَ على المُؤمِنينَ حَرَجٌ في أزواجِ أدْعيائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) . (الآية: 37 من سورة الأحزاب) وبذلك بطل هذا النوع من التبنِّي، وصار مُحَرَّمًا على المسلم أن يُلحق بنسَبه الطفلَ الذي يَعرف أنه ابن غيره وليس ابنًا له، عرَف أبَاه أم لم يَعرفه.
إبطال هذا التبنِّي:
ولعل من واجب المسلمين علينا أن يعرفوا الحِكْمَةَ في إبطال هذا النوع من التبنِّي، ونُزول القرآن بإنكاره وتحريمه وإبطال آثاره، ليتبيَّن لهم مقدارُ حرص الشريعة الإسلامية على صوْن الأنساب وحِفظ الحقوق الأُسرية التي ارتبطت في التشريع الإسلامي بجهات القرابة العِماد الواقعي بين الوارثينَ ومُورِّثِهم.
وليس مِن ريبٍ أن في هذا التبنِّي حرمانَ الأب الحقيقي المعروف من أن يتصل به نسبه المُتولد منه، المنسوب إليه في الواقع وفيما يعلم الله والناس، وفيه إدخال عنصر غريب في نسب المُتبنِّي، يَدخل على زوجته وبناته باسم البُنُوَّةِ والأخوة، ويُعاشرهن على أساس منهما وهو أجنبي عنهن، لا يُباح له منهن ما يُباح للابن أو الأخ الحقيقي لهنَّ، وبقدر ما تتركز هذه البُنوة الكاذبة في هذه الأسرة، فإن البنوة الحقَّة، في الأسرة الحقة، تسير إلى الفناء والمَحْوِ والزوال، وبذلك تضيع الأنساب، ويختلُّ نظام الأُسَر.
وفيه ـ وراء ضياع الأنساب واختلال نظام الأسر ـ تضييعٌ لحقوق الورثة الذين تَحَقَّقَ سبب إرْثهم الشرعي من الأب الكاذب"المُتبنِّي"فلا تَرِثُ إخوته ولا أخواته لوُجود الابن"الزُّور"الذي منَع بِبُنُوَّتِهِ الكاذبة إرْثهم الشرعي، وبذلك تقع العداوة والبغضاء بينهم وبين مُورثهم بهذا الدعِيِّ الذي تَبنَّاه وضيَّع به حقهم في التركة.
هذا. وقد قال بعض العلماء إجمالًا لتلك الحكمة: لو فُتح باب الانتفاء من الأب لأُهملت المصالح ولاختلطتِ الأنساب ولضاعت حِكمة الله في جعْل الناس شعوبًا وقبائلَ.
وبعدُ: