فهرس الكتاب
وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) فإذا ما تزوج الأب بالتبني (وهو في هذه الحالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ مبلغ الوحي) زوجة ولده بالتبني فذلك يعني إلغاء عمليا لكل آثار التبني القانونية والتشريعية التي كان أهل الجاهلية يرتبونها على ذلك من النسب وقضايا النكاح والإرث وغيرها. فتحريم التبني تحريم مؤبد لا يمكن إحداث أي استثناء أو تغيير فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة دعوة الأبناء لآبائهم، وبذلك قطع مسائل اختلاط الأنساب والتعدي على الحقوق.
في الوقت ذاته، فإننا نجد أن الشارع حث وندب المسلمين إلى كفالة الأيتام؛ ذكورا وإناثا ورعايتهم معنويا وماديا، وحض المسلمين على كفالة الأيتام وعدم إسلامهم للضياع، وتكفل لمن يقوم برعايتهم ومتابعة شؤونهم بالأجر العظيم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. واعتبر الإسلام ذلك واجبا على الأمة بحيث لا يضيع أبناؤها أو يسلمون إلى غير الأمناء أو الأكفاء. وبذلك أصبحت كفالة الأيتام البديل الإسلامي عن التبني.
فكفالة اليتيم تحافظ على الأنساب والهوية من خلال ضرورة دعوة اليتيم لأبيه وقومه إن كانت معروفة، فإن لم تكن معروفة فيمنح اسما آخر، مثل عبد الله أو عبد الرحمن وسواها من الأسماء الصادقة في حقيقتها ومعناها والمقبولة عرفا، مع مراعاة عدم الدمج الكامل في الأسرة لئلا تختلط الأنساب ويرث مالا لا حق له فيه، وكذلك تجنب مفسدة التعرض للاختلاط بالمحرمات عليه من النساء. فإذا دعي المكفول لأبيه أو أعطي اسما آخر من الأسماء التي تصدق عليه فلا شيء في ذلك، على أن يعلم اليتيم حين يبلغ رشده بنسبه وكامل هويته وطبيعة العلاقة بينه وبين بيت كافله لتجنب المفاسد التي أشرنا إليها. وفي حال رغب الكافل أن يساعد المكفول بعد بلوغه سن الرشد، فله أن يوصي له بوصية في حدود الثلث الذي له أن يتصرف فيه، وبذلك يعينه دون أن يأخذ من حق الورثة الآخرين شيئا.
أما ما أشير إليه من أن القوانين الأمريكية تفرض على كافل اليتيم أن يمنحه اسمه وأن يلحقه بأسرته، فيمكن في هذه الحالة أن يمنح بالإضافة إلى اسمه واسم أبيه أو الاسم الآخر الذي تم اختياره اسم َ الأسرة الكافلة، على أن يكتب ذلك في وثيقة تحتفظ الأسرة بها حتى إذا بلغ سن الرشد أخبر بما تم، وبذلك لا يقع الكافل تحت طائلة القانون ويكون في الوقت نفسه قد لبى نداء الشريعة في حفظ الأنساب. وحين يكون اسم الأسرة الكافلة قد غلب عليه بحيث لا يعرف عند البعض إلا إذا ذكر منسوبا إلى تلك الأسرة، فإنه لهذا الغرض بالذات لا تعتبر مناداته بهذا الاسم معصية يعاقب عليها، فالأسماء إنما كانت من أجل التعريف وحين لا يحصل التعريف إلا بذلك الاسم فلا بأس بذلك إن شاء الله.
ومن هنا فإننا نرجو من جميع القادرين من المسلمين أن لا يتركوا أبناء الأمة نهبا للفقر والتشرد وضياع الدين والهوية، وأن يكفل القادرون كل من يستطيعون كفالته