الصفحة 2711 من 35630

أَنَّهُ يَحْفَظُ كَلِمَاتٍ لَا يَدْرِي مَا مَعْنَاهَا وَلَا مَا أُرِيدَ بِهَا فَيَنْطَلِقُ بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا وَقَوْلُهُ: وَالتَّقْلِيدُ وَاجِبٌ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ هَذَا كَلَامٌ أَيْضًا مِنْ تَغَالِيهِ فِي الْكَذِبِ

وَالْجَهْلِ وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ تَقْلِيدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَاجِبٌ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَقَدْ قَدَّمْت لَك عَنْ أَكَابِرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ فُسُوقٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقَاضٍ مُقَلِّدٍ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَأَنَّهُ مَتَى حَكَمَ بِذَلِكَ فَسَقَ وَكَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا فَمُنِعَ ذَلِكَ كَيْفَ سَاغَ لِهَذَا الْمُجَازِفِ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ التَّقْلِيدَ هَذَا وَاجِبٌ وَلَيْتَهُ اسْتَحَى مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَيْثُ لَمْ يَسْتَحِ مِنْ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ كَذِبَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَلَى دِينِهِ فَرُبَّمَا يُخْشَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ } فَإِنْ قُلْت: قَالَ فِي الْأَنْوَارِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُسْتَحَبَّ التَّعْلِيمُ وَالْعَمَلُ بِهِ الْآنَ لِوُجُوهٍ حَاصِلُهَا أَنَّ مَنْ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ الْآنَ قَلِيلٌ وَمَنْ يُحْلِلْ زَوْجَتَهُ إذَا وَقَعَ طَلَاقُهُ مَعْدُومٌ وَإِنَّ النَّاسَ مُنْهَمِكُونَ عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَيَتْرُكُونَ الْحَلِفَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ لَا يَسْمَحُ بِالتَّحْلِيلِ فَيَذْهَبُ إلَى مَنْ لَا مُسْكَةَ لَهُ

فِي الدِّينِ فَيُعَلِّمُهُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ التَّحْلِيلِ كَادِّعَاءِ فِسْقِ الْوَلِيِّ ، وَكَأَمْرِهِ بِتَقْلِيدِ الْقَوْلِ الشَّاذِّ الْمَدْفُوعِ بِصَرَائِحِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، إنَّ الْعَقْدَ كَافٍ فِي التَّحْلِيلِ وَإِنَّ الْغَافِلَ الْمُتَسَاهِلَ رُبَّمَا عَلَّمَ السُّوقَةَ وَغَيْرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بَعْدَ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ حِفْظًا لِنِكَاحِهِمْ وَحَذَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحِنْثِ مَعَ جَهْلِهِمْ ، بَلْ وَجَهْلِ مُلَقِّنِهِمْ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَعْنَاهُ فَيُطَلِّقُونَ وَيَسْتَثْنُونَ ظَنًّا أَنْ لَا يَقَعَ مَعَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، فَلَيْتَ شِعْرِي أَنَّ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ مَعَ نَفْيِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَبِهِ يُخَفَّفُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الزَّهْرَانِيِّ قُلْت: لَا حُجَّةَ لِهَذَا الزَّهْرَانِيِّ فِي كَلَامِ الْأَنْوَارِ الْمَذْكُورِ ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَحَثَ اسْتِحْبَابَ التَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَجَرَّأَ عَلَيْهِ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ وَيُفْتِي بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَهَرَ لَهُ مِنْ بَحْثِهِ لَكِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْقُولِ ، فَإِنَّ الرُّويَانِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَبِبُطْلَانِهِ فَهُمْ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ امْتِنَاعِ التَّعْلِيمِ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَظْهَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَحْثًا

مُخَالِفًا لِاتِّفَاقِهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْبَحْثُ فِي حَيِّزِ الطَّرْحِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَهَكَذَا كُلُّ بَحْثٍ خَالَفَ الْمَنْقُولَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَإِنْ جَلَّ قَائِلُهُ وَظَهَرَ دَلِيلُهُ هَذَا مَعَ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ عَلَى بَحْثِهِ هَذَا يُرَدُّ بِأَنَّهُ نَفْسَهُ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ لِمَا ذَكَرَ مِنْ جَهْلِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ كَذَلِكَ شُرُوطَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ عَلَى الْمُعَلِّمِينَ لِجَهْلِهِمْ ، أَوْ لِجَهْلِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِكَبِيرِ فِطْنَةٍ وَمَعْرِفَةٍ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ لِجَهْلِ أَكْثَرِ الْمُتَفَقِّهَةِ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ بِمَعْنَى الدَّوْرِ هُنَا وَبِبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتهَا أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ تَبَايُنُ اخْتِلَافِ أَفْهَامِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ الدَّوْرِ وَبُطْلَانِهِ وَتَبَايُنُ آرَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَقُولُ تَارَةً بِصِحَّتِهِ ثُمَّ تَارَةً بِفَسَادِهِ كَمَا قَدَّمْت لَك عَنْ الْغَزَالِيِّ وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ إمَامُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت