الصفحة 276 من 35630

ويرث هذا الابن المدعى من الرجل أو المرأة على أنه ابنهما، ويحجب ذوي القربى الأصلاء المستحقين. وما أكثر ما يحقد الأقارب الحقيقيون على هذا الدخيل الذي عدا عليهم فاغتصب حقوقهم، وحال بينهم وبين ما كانوا يرجون من ميراث. وما أكثر ما يثور هذا الحقد، ويؤرث نار الفتن، ويقطع الأواصر والأرحام!!

لهذا أبطل القرآن هذا النظام الجاهلي، وحرمه تحريما باتا، وألغى آثاره كلها، قال تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) سورة الأحزاب:4،5.

ولنتأمل هذه الكلمة القرآنية الناصعة (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم) أي أن التبني إنما هو كلمة فارغة ليس وراءها حقيقة خارجية.

إن الكلام باللسان لا يبدل الحقائق، ولا يغير الواقع، ولا يجعل الغريب قريبا، ولا الأجنبي أصيلا، ولا الدعي ولدا، الكلام بالفم لا يجري في عروق المتبنى، دم المتبني ولا يخلق في صدر الرجل حنان الأبوة، ولا في قلب الغلام عواطف البنوة، ولا يورثه خصائص الفضيلة، ولا ملامح الأسرة الجسمية والعقلية والنفسية.

وقد ألغى الإسلام كل الآثار التي كانت تترتب على هذا النظام من إرث وتحريم للزواج من حليلة المتبنى.

ففي الإرث لم يجعل القرآن لغير صلة الدم والزوجية والقرابة الحقيقية قيمة وسببا في الميراث: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) آخر سورة الأنفال.

وفي الزواج أعلن القرآن أن من المحرمات حلائل الأبناء الحقيقيين لا الأدعياء (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) سورة النساء:24. فيباح للرجل أن يتزوج حليلة متبناه لأنها امرأة إنسان غريب عنه في الواقع، فلا بأس أن يتزوجها إذا طلقها الآخر.

إبطال التبني بالتشريع العملي بعد التشريع القولي

ولم يكن هذا الأمر سهلا على الناس، فقد كان التبني نظاما اجتماعيا عميق الجذور في حياة العرب. فشاءت حكمة الله ألا يكتفي في هدمه وإهدار آثاره بالقول وحده بل بالقول والعمل جميعا.

واختارت الحكمة الإلهية لهذه المهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، ليزيل كل شك، ويدفع كل حرج عن المؤمنين في إباحة زواج مطلقات أدعيائهم، وأن يوقنوا أن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. وكان زيد بن حارثة الذي عرفنا أنه كان يقال له زيد بن محمد قد تزوج زينب بنت جحش، ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اضطربت بينهما العلائق وكثرت شكوى زيد من زوجته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يعلم -بما نفث الله في روعه- أن زيدا مطلقها، وأنه متزوجها بعده ولكن الضعف البشري غلب عليه في بعض اللحظات فخشي مواجهة الناس فكان يقول لزيد كلما شكا له: أمسك عليك زوجك واتق الله.

وهنا نزل القرآن يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه يشد أزره في مواجهة المجتمع، بتحطيم بقايا هذا النظام القديم والتقليد الراسخ، الذي يحرم على الرجل أن يتزوج امرأة متبناه الغريب عنه. قال تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت