الصفحة 3114 من 35630

وفي هاتين الآيتين عدة توجيهات إلهية منها توجيهان يشترك فيهما الرجال والنساء جميعا وهما الغض من البصر، وحفظ الفرج، والباقي موجه إلى النساء خاصة.

ويلاحظ أن الآيتين أمرتا بالغض من البصر لا بغض البصر، ولم تقل:"ويحفظوا من فروجهم"كما قالت (يغضوا من أبصارهم) فإن الفرج مأمور بحفظه جملة دون تسامح في شيء منه. أما البصر فقد سمح الله للناس بشيء منه رفعا للحرج، ورعاية للمصلحة كما سنرى.

فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين عن النظر، ولا إطراق الرأس إلى الأرض، فليس هذا بمراد ولا مستطاع. كما أن الغض من الصوت في قوله تعالى: (واغضض من صوتك) سورة لقمان:19، ليس معناه إغلاق الشفتين عن الكلام، وإنما معنى الغض من البصر خفضه، وعدم إ رساله طليق العنان يلتهم الغاديات والرائحات أو الغادين والرائحين. فإذا نظر إلى الجنس الآخر لم يغلغل النظر إلى محاسنه، ولم يطل الالتفات إليه والتحديق به.

ولهذا قال الرسول عليه السلام لعلي بن أبي طالب:"يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة".

وقد جعل النبي عليه السلام النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى الآخر زنى للعين، فقال:"العينان تزنيان وزناهما النظر". وإنما سماه (زنى) لأنه ضرب من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.

ويطابق هذا ما جاء في الإنجيل عن المسيح عليه السلام:"لقد كان من قبلكم يقولون لا تزن وأنا أقول لكم: من نظر بعينه فقد زنى".

إن هذا النظر المتلذذ الجائع ليس خطرا على خلق العفاف فحسب، بل هو خطر على استقرار الفكر، وطمأنينة القلب الذي يصاب بالشرود والاضطراب.

قال الشاعر:

وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ** لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر ** عليه ولا عن بعضه أنت صابر

تحريم النظر إلى العورات:

ومما يجب غض البصر عنه العورات، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النظر إلى العورات، ولو كان من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة بشهوة أم بغير شهوة، قال:"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

وعورة الرجل التي لا يجوز النظر إليها من رجل أو امرأة تتحدد فيما بين السرة والركبة، كما ورد في الحديث. ويرى بعض الأئمة كابن حزم وبعض المالكية أن الفخذ ليس بعورة.

وعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبي عنها هي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.

وما لا يجوز النظر إليه من العورات لا يجوز أن يمس باليد أو بجزء من البدن. وكل ما ذكرنا تحريمه من العورات -نظرا أو لمسا- مشروط بعدم الضرورة أو الحاجة، فإذا وجدت كما في حالة الإسعاف أو العلاج فقد زالت الحرمة. وكل ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت