الصفحة 354 من 35630

الجوانب الإيجابية في أزمة فاروق حسني والحجاب

السيد أبو داود

13 ذو القعدة 1427هـ الموافق له 3- 12- 2006م

كانت الكتابات التي اشتبكت مع فاروق حسني - وزير الثقافة - المصري في أعقاب تصريحاته ضد الحجاب كثيرة ومتنوعة، وتعاملت مع الأزمة بشكل معقول، ركز على الجوانب السلبية للأزمة المتمثلة في التحرش بالشارع الإسلامي، وصدم الناس في رموزهم الدينية، وهذا كله مشكور ومقدر، لكنني في هذه السطور سوف أتعامل مع الأزمة - بعد أن انتهت أو كادت - من جانب آخر هو ما انطوت عليه من إيجابيات.

وإذا كان هناك قطاع من الإسلاميين توقعوا إقالة الوزير كرد فعل على تصريحاته؛ فإن العالمين ببواطن الأمور كانوا يستبعدون ذلك، بل يرونه ضربًا من الخيال، فالدولة المصرية هي التي اختارت فاروق حسني وزيرًا للثقافة، ولديها ملف كامل عنه، وعن ثقافته وأفكاره، وبالتالي فهي لم تقع على إنسان تجهله، كما أن أحدًا لم يفرضه عليها، وإنما تم اختياره في حدود ما تسمح به الحالة العلمانية المصرية التي هي من مواريث دولة محمد علي العلمانية، التي حاول إيجادها على أنقاض الأزهر، لكن الأزهر الذي يمثل الجانب الديني للدولة بقي موجودًا ولم يختف كما كان يحلم محمد علي.

وهكذا توازنت الحالة العلمانية المصرية عند حدود معينة هي علمانية مخففة وليست علمانية متطرفة كما هو الحال في تركيا وتونس، والمقصود أن الدولة المصرية العلمانية التي اختارت فاروق حسني دون سواه لم يكن يتصور منها أن تقيله لأنه اصطدم بثوابت إسلامية، فهذا لو حدث معناه أن مصر تخلت بقدر كبير عن علمانيتها، وسيكون رسالة للغرب يتصور أهل الحكم في مصر أنها رسالة سلبية، لأنهم يطرحون أنفسهم أمام الغرب على أنهم بلد علماني، متسامح مع الأديان، وليس للدين توجيه جوهري لقرارات الدولة.

إن أكبر جانب إيجابي في القضية هو ما عبر عنه الوزير نفسه في أعقاب هدوء العاصفة حين أعلن أنه فوجئ بهذا الرد العنيف، وبأن الأمور المتصلة بالدين غير مفهومة بشكل كامل، مما دفعه للإعلان عن تشكيل لجنة دينية داخل وزارة الثقافة لضبط علاقة الوزارة بالدين سواء في المواقف أو الإصدارات، فالوزير لم يكن يتوقع أن يتعرض لهذه الحملة الشرسة التي جاءته من كل اتجاه.

وصحيح أننا لن نحمل تصريحات الوزير بشأن هذه اللجنة على محمل الجد، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يتهجم على الثوابت لا يمكن تصور أنه سيدافع عنها، وصحيح أيضًا أن الوزير تعرض لحملة ثانية من رموز العلمانية على خلفية تصريحه عن تشكيل هذه اللجنة، وصفوه فيها بأنه يحاول إحياء محاكم التفتيش، لكن أن يهتز الوزير بهذه الدرجة، وأن يشعر بالرعب الذي جعله يلازم منزله أسبوعًا غضبًا من حملات الهجوم عليه؛ فهذا يؤكد أن المرجعية في الشارع ما زالت إسلامية رغم الجهود الإعلامية والثقافية المكثفة التي تنطلق من المرجعية العلمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت