الصفحة 3693 من 35630

ذكر جمهور الأمة ، وحكاه غير واحد إجماعًا للصحابة -: ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط ، وهي تلي مفسدة الكفر ، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل - كما سنبينه إن شاء الله تعالى-.

قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوطٍ أحدًا من العالمين ، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمَّة غيرهم ، وجمع عليهم أنواعًا من العقوبات: من الإهلاك ، وقلب ديارهم عليهم ، والخسف بهم ، ورجمهم بالحجارة من السماء ، وطمس أعينهم ، وعذَّبهم ، وجعل عذابهم مستمرًا ، فنكل بهم نكالًا لم ينكله بأمَّة سواهم ، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة ، التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها ، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم ، وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى ، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها .

وقتْل المفعول به خيرٌ له من وطئه ، فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلا لا تُرجي الحياة معه ، بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد ، وربما ينتفع به في آخرته .

وقال:

وأتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله ، لم يختلف منهم فيه رجلان ، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله ، فظنَّ بعض الناس ذلك اختلافًا منهم في قتله ، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ، وهي بينهم مسألة إجماع .

ومن تأمل قوله سبحانه:"ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلًا"الإسراء، وقوله في اللواط:"أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين"الأعراف ، تبين له تفاوت ما بينهما ؛ فإنه سبحانه نكَّر الفاحشة في الزنا ، أي: هو فاحشة من الفواحش ، وعرَّفها في اللواط ، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة ...

ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال:"ما سبقكم بها من أحد من العالمين"، ثم زاد في التأكيد بأن صرَّح بما تشمئز منه القلوب ، وتنبو عنها الأسماع ، وتنفر منه أشد النفور ، وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى ، فقال:"أئنكم لتأتون الرجال".

ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال ، وقلبوا الطبيعة التي ركَّبها الله في الذكور ، وهي شهوة النساء دون الذكور ، فقلبوا الأمر ، وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء ، ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها ، وكذلك قلبهم ، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم .

ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد ، فقال:"بل أنتم قوم مسرفون".

فتأمل هل جاء ذلك - أو قريبٌ منه - في الزنا ، وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله:"ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث"، ثم أكَّد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال:"إنهم كانوا قوم سوء فاسقين"الأنبياء ، وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال:"رب انصرني على القوم المفسدين"الأنبياء ، وسماهم ظالمين في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت