فهرس الكتاب
ينخدع لهواه ويتجرأ على الاستمتاع بغير حليلته الشرعية غشًّا لنفسه بأن هذا مقدمة للزنا ليس فيه كبير ضرر فإن هذا من وسواس الشياطين .
يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل:
إن أرادوا بالزنا ما يَحُدُّ الحاكمُ صاحبَه الحدَّ المعروف في الفقه فهو ما عرفه به الفريق الأول ، وإن أرادوا ما حرمه أحكم الحاكمين على عباده وجعله من أسباب مقته وسخطه فهو أعم مما قال الفريق الثاني ؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة ؛ فالعينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرِّجْل زناها الخُطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ) وفي رواية لمسلم: ( والفم يزني وزناه القُبل ) ، وظاهر أن المراد بالنظر: هو النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوة ، والمراد بالبطش: لمسها ، وفي معنى اليد غيرها ، فكل ملامسة محرمة .
فاستمتاع الرجل بغير امرأته محرم كيفما كان ، سواء أنزل أم لم ينزل ، ومقتضى الحديث الصحيح الذي تقدم أن هذا الاستمتاع يسمى زنا ، وأن للزنا مراتب أدناها النظر بشهوة عمدًا وأقصاها الفاحشة الكبرى المعروفة ، وإنما وضع الحد على من انتهى إلى الدرجة القصوى ؛ لأن المضرات البدنية والمدنية والأدبية التي يعاقب الحكام مرتكبيها لا تظهر إلا في هذه الدرجة ، فالنظر مما يكثر وقوعه ، ولا يعرف كونه بشهوة إلا من الناظر ، فترتيب الحد عليه حرج عظيم ؛ لأنه من اللَّمم الذي ترجى مغفرته باجتناب ما وراءه ؛ [ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ ] ( النجم: 32 ) .
وأما اللمس والتقبيل فمضراته في الإصرار ؛ ومنها تجرئة مرتكبه على المحارم إذا لم يبادر إلى التوبة منه ، وهي مضرة روحية لا أثر لها في الأمة - أو في الهيئة الاجتماعية كما يقولون - إلا إذا تعدى الرجل على المرأة أو فعل ذلك بحضور الناس ، ولذلك درجات تختلف باختلاف الأشخاص والمكان والزمان ليس من العدل أن توضع لها عقوبة معينة لا تختلف كما هو معنى الحد ؛ وإنما عقوبتها التعزير الذي يفوض إلى رأي الحاكم ، فعلم من ذلك أن عدم وضع الحد على مثل هذه الأمور ليس دليلًا على إباحتها ولا على كونها هينة عند الله تعالى .
ويتوهم بعض الناس أن ما أشرنا إليه من أنواع الاستمتاع بالنساء دون الوقاع لم يحرم إلا لأنه مقدمة للوقاع الذي تترتب عليه المفاسد الكثيرة ، وإن من وثق بنفسه وقدر على منعها من الوقاع حل له أن يستمتع بالمرأة الأجنبية كما يشاء ؛ إذ لا مفسدة في هذا ( بزعمهم ) ، ومن كان من هؤلاء مجاورًا في الأزهر بعض سنين ، أو متلقيًا شيئًا من كتب الدين يستدل على ذلك بنص [ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ] ( النساء: 31 ) ، وبقول بعض الفقهاء: لا كبيرة بما دون الفاحشة الكبرى وهي الوقاع .
وقد كان سألني مشافهة أحد تلامذة المدارس العالية في مصر عن ذلك ، وقال: إن التلامذة وغيرهم من الشبان في مصر يعاشرون البنات العذارى ، ويستمتعون منهن