فهرس الكتاب
واعلم أن هذا أول طريقٍ سلكه قوم لوط ، وهو العشق للمردان ، ولذا عاقبهم الله تعالى بما لم يعاقب به أمَّة قبلهم ولا بعدهم ، فقلب الله تعالى ديارهم ، وخسف بهم ، ورجمهم بالحجارة ، وطمس أعينهم .
قال ابن القيم رحمه الله في بيان أنواع العشق:
"وعشقٌ هو مقتٌ عند الله وبُعدٌ من رحمته ، وهو أضر شيءٍ على العبد في دينه ودنياه: وهو عشق المردان ، فما ابتليَ به إلا مَن سقط مِن عين الله ، وطرد عن بابه ، وأبعد قلبه عنه ، وهو من أعظم الحُجب القاطعة عن الله ، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد مِن عين الله ابتلاه بمحبة المردان ، وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت ، وما أوتوا إلا مِن هذا العشق ، قال الله تعالى: ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) "انتهى .
"الجواب الكافي" ( ص 173 ، 174 ) .
ثانيًا:
واعلم أن هذا البلاء له أسباب ، وهذه الأسباب من كسبِ المبتلى نفسه ، فمن أراد النجاة مما هو فيه: فليقف على هذه الأسباب ، وليتخلَّص منها ، وإلا فهو راضٍ عن حاله ، ولا يريد تحولًا إلى ما هو خير ، ومن هذه الأسباب التي هي من فعله:
1.ضعف الإيمان ، وبُعد القلب عن حب الله تعالى ، وقلة الخوف من عقابه .
2.إطلاق النظر للمردان ، والتمتع بجمالهم وهيئتهم .
وهذا هو أول طريق المعصية التي سلكها هذا المبتلى ، وقد أمره ربه تعالى بغض بصره عن المحرمات ، وكذا أمره نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلما ترك الأمر ووقع في النهي: أدخل إبليس سهمه المسموم في قلبه ، فقضى عليه .
قال ابن القيم رحمه الله:
"والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان ؛ فإن النظرة تولِّد خطرة ، ثم تولد الخطرة فكرة ، ثم تولِّد الفكرة شهوة ، ثم تولِّد الشهوة إرادة ، ثم تَقوى فتصير عزيمة جازمة ، فيقع الفعل ولا بد ، ما لم يمنع منه مانع ، وفي هذا قيل:"الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده"."
"الجواب الكافي" ( ص 106 ) .
ومن هنا فإن العلماء قد حرموا النظر إلى الأمرد ، بل إن بعضهم جعله أكثر حرمة من النظر للنساء .
قال النووي رحمه الله:
"وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة ، سواءً كان بشهوةٍ أم لا ، سواءً أمن الفتنة أم خافها ، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين ، نص عليه الشافعي ، وحذاق أصحابه - رحمهم الله تعالى - ، ودليله: أنه في معنى المرأة ، فإنه يُشتهى كما تشتهى ، وصورته في الجمال كصورة المرأة ، بل ربما كان كثيرٌ منهم أحسن صورةً من كثيرٍ من النساء ، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر: وهو أنه يتمكن في حقهم من طرق الشر ما لا يتمكن مثله في حق المرأة"انتهى .
"شرح مسلم" ( 4 / 31 ) .