فهرس الكتاب
وحرم أيضا الخلوة بالرجل الأجنبي، وأخبر: (أنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) .
حين يعيش الناس أيها الأخوة على هذه التعاليم الربانية يحيون حياة كريمة، وحياة فاضلة، أعراضهم مصونة، ونفوسهم مطمئنة، وقلوبهم مرتاحة، وهاماتهم ورؤوسهم مرتفعة.
أما حين يتجاهلون هذه التعاليم ويضيعون أمر الله فلا يغضون أبصارهم ولا يحجبون نسائهم، ويتركون للمرأة الحبل على الغارب، ولا يتابعونها ولا يراقبونها بتصرفاتها، هنالك يعرضون أنفسهم للهوان ويعرضون عارهم للسقوط والخسران، ثم يعرضون أنفسهم للعذاب والدمار في دار النكاد والبوار إن ماتوا على ذلك والعياذ بالله.
وإنه وللأسف الشديد أيها الأخوة فإن كثيرا من الناس لم يتقيد بهذه الأوامر ولم يأخذ بهذه الأسباب ولم يراعي هذه الاحتياطات فكان نتيجة ذلك حلول المصائب ووقوع المشاكل التي سوف نذكر منها طرفا في هذا المجلس على شكل أحداثا واقعة وقصص من عالم الواقع وقعة لكثير من الناس.
ونحن نسوقها للعبرة والعضة وأسلوب القصص أسلوب تربوي جاء في القرآن الكريم وجاءت به السنة المطهرة، والله يقول في القرآن: (لقد كان في قصصهم عبرة) . (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك) . وما تضمنته الأحاديث من القصص هو نوع من التربية من أجل أن يتخذ الإنسان الحيطة ويأخذ عبرة مما حدث ولا يكون هو للناس عبرة. وهذه القصص التي سوف نقرأها في هذه المحاضرة من عالم الواقع، وهي أحداث مؤلمة وقعت لأفراد من الأمة تساهلوا وفرطوا حتى وقعوا وندموا ولكن حين لا ينفع الندم. ونحن نأخذ منها عظة حتى لا نقع في ما وقعوا فيه، وحتى لا نندم ولكن بعد فوات الأوان. القصة الأولى: يقول أحدهم كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه، وكان يروقني منظره، ويؤنسني محضره، قضيت في صحبته عهدا طويلا، ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئا حتى سافرت وتراسلنا حينا ثم انقطعت بيننا العلاقات. ورجعت وجعلت أكبر همي أن أراه لما بيني وبينه من صلة، وطلبته في جميع المواطن التي كنت ألقاه فيها أجدله أثرا، وذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه نقل منذ عهد بعيد. ووقفت بين اليأس والرجاء بغالب ظني أني لن أراه بعد ذلك اليوم، وأني قد فقدت ذلك الرجل. وبينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من الليالي دفعني جهلي بالطريق في الظلام إلى سلوك طريق موحش مهجور يخيل للناظر فيه أنه مسكن للجان إذ لا وجود للإنس فيه. فشعرت كأني أخوض في بحر، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، فما توسطت الشارع حتى سمعت في منزل من تلك المنازل أنة تتردد في جوف الليل، ثم تلتها أختها. فأثر في نفس هذا الأنين وقلت في نفسي يا للعجب كم يكتم هذا الليل من أسرار؟ وكنت قد عاهدت الله أن لا أرى حزينا إلا وساعدته، فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل، وطرقت الباب طرقا خفيفا، ثم طرقته طرقا أكثر قوة، وإذا بالباب يفتح من قبل فتاة صغيرة. فتأملتها وإذا في يدها مصباح، وعليها ثياب ممزقة، وقلت لها هل عندكم مريض؟ فزفرت زفرة كادت تقطع نياط قلبها، قالت نعم، افزع فإن أبي يحتضر. والدها، ثم مشت أمامي وتبعتها حتى وصلت إلى غرفت ذات باب قصير، ودخلتها فخيل إلى أني أدخل إلى قبر وليس إلى غرفة، وإلى ميت وليس إلى