الصفحة 4057 من 35630

صحيح ولا تحل للأول، لأن العبرة في الأحكام بالنيات، وكذلك قال أحمد بن حنبل ، جاء في"المغني"لابن قدامة الحنبلي أن نكاح المحلل باطل إنْ شَرَطَ أنه إذا أَحَلَّهَا فلا نكاح بينهما، وإن نَوَي التحليل من غير شرط فالنكاح باطل، وفي قولٍ: إنْ شَرَطَ عليه التطليق قبل العقد ولم يذكره في العقد ولم يَنْوِهِ فالعقد صحيح.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد صحيحًا مع الإثم، ويترتب عليه حِلُّهَا للأول بعد الدخول والطلاق وانتهاء العِدَّةِ، لأن العبرة في الأحكام بالظاهر، وأما الشافعي فله قولان، القول الأول هو القديم كقول مالك وأحمد، والقول الثاني وهو الجديد كقول أبي حنيفة وأصحابه.

2 ـ أما الشرط الثاني وهو الدخول الصحيح، فهو أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولا يكتفي فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابد فيه من اللقاء الجنسيِّ، والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما طَلَّقَ رفاعة القرظي امرأته فثبت طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشكو إليه أن عبد الرحمن ضعيف في الناحية الجنسية، فتبسم الرسول وقال:"لَعَلَّكِ تُريدين أن تَرجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تَذُوقي عُسيلته ويَذوق عُسيلتك".

وجاء في سنن النسائي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"العُسيلة: الجِماع ولو لم يُنزل". وجاء في سنن النسائي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: سُئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها الرجل فَيَغْلِقَ الباب ويُرخي الستر، ثم يُطلقها قبل أن يدخل بها، فقال:"لا تَحِلُّ للأول حتى يُجامعها الآخر".

وتَشَدَّدَ الحسن البصري فلم يكتفِ بمجرد الجماع، بل اشترط أن يكون معه إنزال للنص في الحديث على ذَوْقِ العسيلة، ولكن الجمهور اكتفوا بمجرد الجماع، بناء على تفسير الرسول للعسيلة، بالجماع ولو لم ينزل.

ولم يخالف في شرط الدخول بالزوجة إلا سعيد بن المسيب من كبار التابعين وسعيد بن جبير وبعض الخوارج، وقولهم مرفوض بدليل الأحاديث السابقة. وعدم تحقيقه لحكمة التشريع.

والحكمة من اشتراط المحلِّل وتأكيد دخوله بالمرأة باللقاء الجنسي، التنفير من الطلاق الثلاث، وتنبيه الزوج إلى التَّرَيُّثِ في استعمال حق الطلاق الذي جعله الله على مرات، ومراعاة للشعور بالغيرة على أن يَحِلَّ محله رجل آخر في التمتع بزوجته.

هذه هي الآراء في زواج التحليل وما شرط فيه لتترتب عليه آثاره، وقد حَمَلَ بعض العلماء عليه حملة عنيفة بصورة تجعله كأنه غير مشروع، دون مراعاة لبعض الظروف الضاغطة التي يتحقق بها يُسْرُ الإسلام، والحق هو التمسك بما اتفق عليه العلماء، مع ترك الحرية للاختيار فيما اختلفوا فيه.

وقد رأينا بعد هذا العرض الاتفاق على وجوب صحة الزواج، ووجوب المعاشرة الجنسية، ورأينا الاختلاف في نِيَّةِ التحليل أو التصريح به واشتراطه في العقد، فعند أبي حنيفة أن نية التحليل ـ شُرِطَتْ أم لم تُشرط ـ لا تمنع من صحة العقد ولا حِلَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت