فهرس الكتاب
الوجوب , مثل قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم } واتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد , فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود , وقطع النزاع , وسد باب الخلاف بين الزوجين.
ويلاحظ أن تأكيد الحق في البيع في حاجة إلى إشهاد أكثر من الرجعة ; لأن البيع إنشاء لتصرف شرعي , أما الرجعة فهي استدامة الحياة الزوجية أو إعادتها , فلما صح البيع بلا إشهاد صحت الرجعة بلا إشهاد من باب أولى . وأضاف المالكية أن الزوجة لو منعت زوجها من وطئها حتى يشهد على الرجعة كان فعلها هذا حسنا وتؤجر عليه , ولا تكون عاصية لزوجها .
وذهب الشافعي في القديم من المذهب وأحمد في الرواية الثانية بأن الإشهاد على الرجعة واجب لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) . وبالأثر المروي عن عمران بن حصين فقد سأله رجل عمن طلق امرأته طلاقا رجعيا ثم وقع بها ولم يشهد , فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة , أشهد على ذلك ولا تعد ; ولأن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد . وقال النووي: إن الإشهاد على الرجعة ليس شرطا ولا واجبا في الأظهر .
وجاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي:
المراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد راجعت امرأتي . بلا ولي يحضره , ولا صداق يزيده . وقد روي عن أبي عبد الله (أحمد بن حنبل) - رحمه الله - رواية أخرى , أنه تجوز الرجعة بلا شهادة، وجملته أن الرجعة لا تفتقر إلى ولي , ولا صداق , ولا رضى المرأة , ولا علمها بإجماع أهل العلم ; لما ذكرنا من أن الرجعية في أحكام الزوجات , والرجعة إمساك لها , واستبقاء لنكاحها, ولهذا سمى الله - سبحانه وتعالى - الرجعة إمساكا , وتركها فراقا وسراحا , فقال: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) ، وفي آية أخرى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) . وإنما تشعَّثُ النكاح بالطلقة وانعقد بها سببُ زواله , فالرجعة تزيل شعثَه , وتقطع مضيه , إلى البينونة , فلم يحتج لذلك إلى ما يحتاج إليه ابتداء النكاح.
فأما الشهادة ففيها روايتان ; إحداهما , تجب، وهذا أحد قولي الشافعي ; لأن الله تعالى قال: (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم) . وظاهر الأمر الوجوب , ولأنه استباحة بضع مقصود , فوجبت الشهادة فيه , كالنكاح , وعكسه البيع.
والرواية الثانية , لا تجب الشهادة، وهي اختيار أبي بكر , وقول مالك , وأبي حنيفة ; لأنها لا تفتقر إلى قبول , فلم تفتقر إلى شهادة , كسائر حقوق الزوج , ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد , كالبيع ، وعند ذلك يحمل الأمر على الاستحباب.
ولا خلاف بين أهل العلم , في أن السنة الإشهاد . فإن قلنا: هي شرط . فإنه يعتبر وجودها حال الرجعة , فإن ارتجع بغير شهادة , لم يصح ; لأن المعتبر وجودها في الرجعة , دون الإقرار بها , إلا أن يقصد بذلك الإقرار الارتجاع , فيصح .
والله أعلم