فهرس الكتاب
إبدائها، إذا لم يكن في ذلك محذور آخر، فإن هذه لا بدّ من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره، وهو المشهور عن أحمد.
وقال ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول طائفة من العلماء، كالشافعي وغيره. وأمر - سبحانه وتعالى -، بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين، وهذا دليل على القول الأول، وقد ذكره عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا تظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق، ثم قال - رحمه الله: وإنما ضرب الحجاب على النساء، لئلا تُرى وجوههن وأيديهن، ورخص الشارع للعجوز التي لا تطمع في النكاح، أن تضع ثيابها، فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب، وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها.. كما استثنى التابعين غير أولي الإربة من الرجال، في إظهار الزينة لهم، في عدم الشهوة، التي تتولد من الفتنة.. وكذلك الأمة، إذا كان يُخاف بها الفتنة، كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها (2427) .
ومن المعلوم أن الوجه هو مجمع محاسن المرأة، وموضع الفتنة، ومن هنا جاء الأمر بستره، حتى تكتمل حشمة المرأة، فيطهر قلبها، ويطهر قلب الرجل عن التعلق بأسباب الفتنة، أو سلوك دواعيها، وحجاب النساء، الذي هو أمر الله، العالم - سبحانه - بأحوال عباده، وما تنطوي عليه قلوبهم، هو سبب لطهارة القلب، ووسيلة من وسائل السلامة، حيث جاءت آية الحجاب في سورة الأحزاب، التي مرّ ذكرها، بأمر الله - سبحانه - لجميع نساء المؤمنين، بإدناء جلابيبهن على محاسنهن، من الشعور والوجه، واليدين وغير ذلك، حتى يعرفن بالعفّة، فلا يفتتنّ، ولا يفتنّ غيرهن، فتحصل بذلك الأذية.
ولما كان حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها - وعن أبيها، الذي رواه أبو داود في سننه، عن عائشة بنت أبي بكر زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها - وعن أبيها، أن أسماء أختها دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يُرى منها إلاّ هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفّيه.
هذا الحديث الذي يأخذه بعضهم حجة على كشف الوجه واليدين، ووجد عند بعض الناس قبولًا، قد تتبعه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، - رحمه الله - وهو حجة في الحديث، ومعرفته بالرجال.. وقال فيه في رسالته: حكم السفور والحجاب، المطبوع ضمن: مجموعة رسائل في الحجاب والسفور، وطبعته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، عام 1405ه الطبعة الأولى..
في هذه الرسالة يقول الشيخ عبد العزيز - رحمه الله - عن هذا الحديث: هو حديث ضعيف الإسناد، لا يصح عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنه من رواية خالد بن دربك، عن عائشة وهو لم يسمع منها، فهو منقطع.. ولهذا قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث، في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، لا يحتجّ بروايته، وفيه علة أخرى ثالثة، وهي: عنعنة قتادة عن خالد بن دريك وهو مدلّس.