فهرس الكتاب
ثم قال: ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفّين من الفساد والفتنة وقد تقدّم في ص 54 من هذه الرسالة قوله - تعالى: «وإذا سألتموهن متاعًا، فأسألوهن من وراء حجاب» (الأحزاب 53) ، ولم يستثن شيئًا، وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها، والتعويل عليها، وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهن من نساء المؤمنين.
وتقدم في ص 55 من هذه الرسالة، في سورة النور الآيتين 30 31، ما يرشد إلى ذلك، وهو ما ذكره الله - سبحانه - في حقّ القواعد، وتحريم وضعهن الثياب إلاّ بشرطين: أحدهما: كونهن لا يرجون النكاح. والثاني: عدم التبرّج بالزينة، وسبق الكلام على ذلك، وأن الآية المذكورة حجة ظاهرة، وبرهان قاطع على تحريم النساء، وتبرجهنّ بالزينة، ولا يخفى ما وقع فيه النساء اليوم، من التوسّع في التبرج، وإبداء المحاسن.
فوجب سدّ الذرائع، وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد، وظهور الفواحش. ثم زاد الأمر توضيحًا سماحته - يرحمه الله - بقوله: ومن أعظم أسباب الفساد: خلوة الرجال بالنساء، وسفرهم بهن من دون محرم، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يخلونّ رجل بامرأة، إلا ومعها ذو محرم» .. وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا يخلوّن رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما» . وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا يبيتنّ رجل عند امرأة، إلا أن يكون زوجًا أو ذا محرم» . رواه مسلم في صحيحه.
فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا على أيدي نسائكم وامنعوهنّ مما حرّم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن، والتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، وسائر الكفرة، ومن تشبه بهم، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الاثم، وتعرض لغضب الله، وعموم عقابه، عافانا الله وإياكم من شر ذلك، ثم أورد أحاديث صحيحة، منهنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون؟. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» .
وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور، ولبس الرقيق والقصير من الثياب، والميل عن الحق والعفة، وإمالة الناس إلى الباطل، وتحذير شديد من ظلم الناس والتعدي عليهم، ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان دخوله الجنة، نسأل الله العافية من ذلك (5962) .
وبعض الناس، الذين يتلمّسون المداخل لتحقيق ما تصبو إليه بعض النفوس، في البحث عن المداخل إلى الرخص، رغم أن شرائع الدين، ليست تأتي حسب رغبات النفوس، ولا من أجل تحقيق لذة زائلة، ولكنها شرائع عميقة، أنزلها الذي قامت السموات والأرض بعدله، ومن له الحكمة البالغة، ويعلم طبائع النفوس البشرية، وما يطرأ عليها من تغييرات، وما تصلح به المجتمعات وتستقيم، وما يفسدها بحسب ما أودع الله - سبحانه - في طبائع البشر، من شهوات ورغبات، خاصة عندما يضعف الحارس الإيماني، والحاجز اليقيني، بمراقبة الله في السرّ والعلن..