فهرس الكتاب
والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي الكلبي، وابن تيمية، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي، وجلال الدين المحلي؛ فكل هؤلاء وغيرهم ذهبوا إلى تفسير الإدناء في الآية بتغطية الوجه؛ وذلك أنهم اعتمدوا في تفسيرها على قول ابن عباس - رضي الله عنهما - الآنف.
* الدلالة المحكمة لقولة - تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .
هذه الآية دلالتها محكمة على التغطية، يتبين ذلك بالوجهين التاليين:
-الوجه الأول: في الآية جاء الفعل «ظهر» وليس «أظهر» فالاستثناء يعود إلى ما يظهر من المرأة، من زينتها، بدون قصد، فلا يُحمَل على الوجه إذن، لأن الوجه يظهر بقصد.
-الوجه الثاني: أن الزينة في لغة القرآن والعرب، تطلق على ما تزينت به المرأة، مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي واللباس؛ فتفسير الزينة بالوجه والكف خلاف القرآن وكلام العرب.
وممن قال بدلالة الآية على التغطية جمع من السلف، منهم: ابن مسعود، والنخعي، والحسن، وأبو إسحاق السبيعي، وابن سيرين، وأبو الجوزاء.
ثم إن هذه الآية عمدة القائلين بالكشف، حيث ورد في تفسيرها قول ابن عباس، ومن تبعه: «الوجه والكف» وتلقَّف هذا القول كثير من الناس، وحملوه على معنى جواز كشفهما للأجانب؛ وهذا فيه نظر من جهة ابن عباس نفسه؛ حيث سبق قوله في آية الجلباب، وهو صريح واضح لا يحتمل إلا معنى واحدًا هو: وجوب غطاء الوجه، مع جواز إخراج العين، لأجل الرؤية. فإن أُخذ قوله هنا في الآية على معنى: جواز كشفهما للأجانب؛ فهذا تناقض، وحاشاه، ولا يلجأ إلى هذه النتيجة إلا بعد استنفاد أوجه الترجيح.
لكن إذا عرفنا أن ابن عباس نفسه فسر هذه الآية بأن المرأة تكشفهما لمن دخل عليها بيتها. انتفى الإشكال، واجتمع كلامه، وتلاءم؛ حيث المعنى: أنه يجوز لها أن تظهر ذلك للمحارم، غير الزوج. وقوله كما رواه ابن جرير في التفسير: «والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم؛ فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها» ، أي من يحل له الدخول عليها وهم المحارم ولا يُظَن بابن عباس أنه يجيز دخول الأجنبي على المرأة.
فهذا بالنسبة لابن عباس. أما غيره ممن فسر الآية بمثله، فإنه:
-إما أن يكون قد نقل قول ابن عباس، وقصد ما قصده ابن عباس، كما وضحنا آنفًا.
-وإما أنه قصد النهي لا الاستثناء، وبيان ذلك: أن قول من فسر الآية بالوجه والكف يحتمل أمرين:
-يحتمل أنه قصد النهي عن إبدائهما، فيكون كلامه تفسيرًا للنهي.
-ويحتمل قصده الاستثناء، كما هو المشهور.
والاحتمال الأول له حظ من النظر، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره، فيكون معنى الآية:
ولا يبدين الوجه والكف، إلا إن ظهر منها شيء بغير قصد.