فهرس الكتاب
ـــــــــــــــــــ
هويتي
نور الجندلي
في يومٍ غادرتهُ الشمسُ إلى خلف السّحابِ الأسود، هاجرتُ وأسرتي إليهم..
نحملُ أحزان الغربةِ، ونخفي في حقائبنا حفنةً من ترابِ الوطن، كي نقبّلها بصمتٍ ونبللها بدموعٍ كلّما لفّنا الحنين..
أتيتهم طفلةً تحملُ بسمتها النّقيّة، كبرعمِ زهر، أصافحهم بودّ، وأنقشُ الفرح على وجوههم، أعيشُ معهم بوئامٍ كأيّ فتاة غربيّة.. فأنا واحدةٌ منهم، ولدتُ هنا في أرضهم، فكانت لي وطنًا آخر غير ذلك الوطنٌ المولود في قلبي، ذلك الوطن الشامخ الواسع الذي أحمله معي أينما رحلتُ، وأرمقُ خارطته بزهوٍ وأنا أهتف:
-إنها من أجمل اللوحات التي علّقتها في غرفتي!
كم جمعتني بهم من ذكرياتٍ على مقاعدِ الدراسة، وكم كانَ يثني عليّ أساتذتي ويلفّني إعجابٌ لا تخفيه عيون التلاميذ، يتحوّلُ إلى سيل أسئلةٍ لا تنتهي بعدَ الدروس، أجيبُ عليها بكلّ حبِّ، فقد أوصتني أمّي وقالت:
-يا حنين لا تبخلي، فأنت الكريمة بنتُ الكرم!
ثمّ أستأذنُ بلطفٍ وأمضي، غريبة أنا في شوارعِ مدينتي، وطني هناك، وفي دفء بيتي، أعودُ مثقلة بصمتٍ، ألقي التحيّة وأختفي في غرفتي، أدفنُ وجهي في وسادتي، وأمطرها دموعًا كلّما زارتني أشواقي العربيّة، لمئذنةٍ في مدينتي، لتسبيحٍ بصوتِ جدّتي، لسربِ حمامٍ يحلّق عاليًا ثمّ يعود.. وهل أعود؟ آه.. ما أقسى غربتي!
لم أدرك أن الأيام مضتْ سريعًا، وأني كبرتُ فما عدت طفلة، حتى رأيته بين يدي أمّي تمسكه بحرصٍ ثم تغطّي به شعري، وتبكي أمي وهي تتمتم:
-هويّتكِ هنا يا حبيبتي، وعنوانك، احرصي على جمالكِ لا يضيع!
وأبكي أنا بكاء الفرح! فقد تحققت أمنيتي بأن أرتديه، كان حلمًا يراودني، وكم جرّبته خلسةً بعيدًا عن ناظري أمّي، وكم دعوتُ الله أن أحظى به.
أنا الآن به ياسمينةً حقيقيّة، أو زهرة نسرين..
قد أختلفُ به عن قريناتي، ولكنهنّ سيتقبّلن..
خطواتي إلى المدرسة تسابقني، ولكنّ شعور الخوفِ يعصفُ بقلبي الصغير..
لقد حدثَ ما لم أتوقعه! ليتني لم آتِ اليوم إلى هنا!
أصواتهم الحاقدة تلاحقني..
-حنين أنت قبيحة
-ستتحوّلين إلى كسولة غبيّة..
-منظركِ مضحكٌ بهذا الشيء، لم لا تنزعيه وننتهي من هذه القضيّة!
دموعي ترجمت لأمّي كلّ ما وددتُ قوله.. فنظرت إليّ بعمقٍ وقالت:
-أتحبين يا حنين أن تنزعيه؟ لكِ ما تريدين!
لم أكن لحظة عودتي من المدرسة أحمل كمّ المشاعر التي داهمتني عند سؤال أمّي..