الصفحة 501 من 35630

ـــــــــــــــــــ

الحجاب والاغتصاب

د. نهى قاطرجي

تساؤلات كثيرة تطرح إثر انتشار أي خبر عن مقتل واغتصاب فتاة ملتزمة ومتحجبة، مما يدفع بالبعض إلى إطلاق أبواقهم طارحين علامات استفهام حول الحجاب والاحتشام ودورهما في منع وقوع الجريمة، مجددين مطالبتهم بخلع الحجاب على اعتبار أن"الطاقة الجنسية في الإنسان طاقة كبيرة وخطيرة، وخطورتها تكمن في كبتها، وزيادة الضغط يولّد الانفجار، وحجاب المرأة يغطي جمالها، وبالتالي فإن الشباب يظلون في كبت جنسي يكاد أن ينفجر أحيانًا على شكل حوادث الاغتصاب وغيرها، والعلاج لهذه المشكلة إنما يكمن في تحرير المرأة من هذا الحجاب لكي ينفس الشباب الكبت الذي فيهم، وبالتالي يحدث التشبع لهذه الحاجة، فيقل طبقًا لذلك خطورة الانفجار بسبب الكبت والاختناق".

قبل الرد على هذه الادعاءات من المفيد الإشارة إلى أن الاحتشام هو عامل من العوامل المساعدة على عدم وقوع جريمة الاغتصاب، ولكن الجريمة بحد ذاتها لا تتعلق بالمجني عليه وتصرفاته وحدهما، فهما قد يكونان عاملين مساعدين على وقوع الجريمة ولكنهما ليسا الوحيدين الفاعلين في هذا المجال، والدليل على ذلك أن هناك حالات اغتصاب سجّلت بين صفوف الأطفال بل وحتى الرضع، إضافة إلى وجود حالات أخرى سجلت بين العجزة وكبار السن مما يعني أن عنصر الإثارة ليس موجودًا في الضحية، وإنما واقعة الاغتصاب حدثت لأسباب أخرى.

كما أنه لا بد من التأكيد على أن الفتاة مهما بلغت درجة انفتاحها وتحررها لا يمكن أن تقبل بأن تغتصب، صحيح أنها يمكن أن تقبل ببعض الممارسات غير الشرعية ولكنها على الإطلاق لا تقبل الأذى لنفسها، والمعلوم بأن الأذى الذي يتسبب به الاغتصاب لا تغيب آثاره طوال العمر وقد يدمر حياة المرأة متزوجة كانت أم لا.

إلا أن هذا لا يعني نفي دور السفور والعري والتصرفات الخاطئة في حدوث هذه الجريمة بالذات، فالفتاة التي ترتدي الثياب الكاشفة، المثيرة للمفاتن تحت شعار التحرر واتباع الموضة، وتحت حجة أنها ترتدي ثيابها لنفسها، ولكي لا تبدو مختلفة عن زميلاتها، وتحت حجة أنها لا تقصد بفعلها إغراء الشاب ليفعل الفاحشة بها، ولكنها تفعل ذلك ليعجب بلباسها ويقول بأنها امرأة متحررة معاصرة، لم تتساءل عن الآثار التي تتركها مثل هذه الملابس على الرجال الذين يرون هذه العري الرخيص بشكل متكرر أمام أعينهم، فإذا كانت الفتاة ترى في ذلك حقًا في ممارسة حريتها، فإن نظرة الرجل تختلف تمامًا عن نظرتها، إذ يجد في هذا اللباس دليلًا لتحررها من كل القيود، كما يجد فيه دعوة للاستفادة من هذا التحرر، ولهذا فكثيرًا ما يحاول المحامون المدافعون عن الجاني التركيز على لباس المرأة أثناء المحاكمة من أجل إلقاء اللوم عليها ورفع المسؤولية عن الجاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت