الصفحة 581 من 35630

ثم نظَّم العلاقة بصورة أكثر تفصيلًا من خلال تحديد زي للمرأة المسلمة؛ وهو الحجاب، ولم يكن هذا الزي نوعًا من فرض القيود على المرأة لكنه حفظًا لها أولًا ثم حفظًا للمجتمع ككل ثانيًا.

لأجل ذلك يأتي الأمر الإلهي لرسوله الكريم بقوله:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب: 59) .. إن الله في هذه الآية يحوط المرأة"بهالة من الصون والكرامة، وأن تكون في إطار من الإجلال والإكبار؛ فأمر نبيه بأن يلزم نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب الثوب الواسع؛ أي أن يسترن بثيابهن الواسعة، ليُعْرفْنَ بالحصانة والتقوى والعفاف، فلا يُؤذين بأعمال سافلة دنيئة.. فإن المؤمنة التقية يجب أن يدلُّ مظهرها على مخبرها، وأن يبدو إيمانها في مظهرها وتقواها في ملبسها كما يبدو في أقوالها وأعمالها" (التبرج: نعمت صدقي، دار الاعتصام، ص24) .

نفس هذا المعني يسوقه لنا ابن كثير في تفسير قوله تعالي:"وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"بأن هذا الأمر".. ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تسير بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة أذنها" (مختصر تفسير ابن كثير، دار الصابوني القاهرة، ص600 الجزء 2) كل هذا لأجل المحافظة على كيان هذا المخلوق الرقيق، والناظر لحال الناس يجدهم يحافظون على أشيائهم الثمينة بعيدًا عن أعين الناس؛ بل إن صاحب الحلوى يحفظها في الورق المفضض خشية الحشرات، فما بال البعض منا يعرض الغالي الثمين على الناس دون خوف عليه؟

ثم تأتي المحافظة على كيان المجتمع ككل؛ فيأتي الأمر للرجال بأن يغضوا من أبصارهم.."قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" (النور: 30) ، ويتكرر الأمر نفسه مع المؤمنات لكن يزاد عليه لطبيعة المرأة التي يحرص الله على الحفاظ عليها.."وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا.." (النور: 31) .

وتظهر قضية الحفاظ على الصحة النفسية في الأمر إلى النساء:"وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ" (النور: 31) ، وذلك أن"المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض، فيسمع الرجال طنينه فنهى المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا.. ومن ذلك أنها تنهي عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها فيشم الرجال طيبها" (مختصر تفسير ابن كثير، ص602ج2) .

لماذا كل تلك القيود على المرأة؟! أليست مثل الرجل، ويجب أن تتساوى معه؟! هذه الأسئلة قد يطرحها البعض، وهو يعتقد أنه يبحث عن حقوقٍ للمرأة ضائعة. لكن المتفحص لحال المجتمع يُوقن أن اتباع هذه الأوامر فيه الراحة والسعادة للجميع. فكما أننا اتفقنا بدايةً أن الغريزة الجنسية قد ركَّبها الله في الإنسان، وجعل لهذه الغريزة الطريق الصحيح الذي يجب أن يسير فيه؛ إذًا فهو عندما يرى هذه القدود والنهود والأرداف التي أمامه في ذهابه وإيابه مما يُثير في نفسه غريزة كامنة لكنه لا يستطيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت