الصفحة 638 من 35630

تستجدي هذا وذاك، وتتهالك على عتباتِ نظراتهم، علَّ أحدهم يجود عليها بنظرة!

فقولي لي بربِّك أي المرأتين حرّة مستقلة؟ التي رفعت نفسها، وتعالت بها عن هذا الإسفاف المقيت، أم تلك التي ارتمت على أعتاب نظرات الرجال؟

لا يشك عاقلٌ أنَّها المسلمةُ المتحجبة، التي فرضت احترامها على كلِّ من يراها، حيث علم من حالها أنَّها طاهرة عفيفة، بعيدةٌ عن الخنا والفجور، فبادَرَ إلى غض الطرف عنها؛ وصدق - تعالى - إذ يقول: [ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ] (سورة الأحزاب، الآية 59) .

أما المتبرجة فهي شحاذ يتكفف نظرات الرجال، تردها النظرة والنظرتان؛ أهانت نفسها، فضاعت كرامتها، وفقدت عزتها، وظنها من يراها سلعةً رخيصة، عَرَّضَتْ نفسها للمهانة والازدراء.

وإنَّ الإنسان ليعجب، من امرأة جَبَلَهَا الله - تعالى - على الاهتمام بكلِّ ما يرفع قدرها أمام الآخرين، ويشتد ضيقُ نفسها إذا علمت أنَّها في مرتبة دون ذلك، ترضى لنفسها أن تكون سلعة رخيصة، مبتذلة خسيسة، يُشْبِعُ كلُّ ذئب نهمته منها ثم يقذف بها، بعد أن تعافها نفسه، وهو في كلِّ ذلك، من قبل ومن بعد، يراها دمية يُلعب بها، ثم تُقذف في سبيل من قُذف بهن في قمامة الذُّل والمهانة!

ولو رأى مجتمعٌ أن يأذن لنسائه بالخروج سافراتٍ متبرجات، وأصبح كلُّ رجل يسرح طرفه في أجساد النساء الغاديات والرائحات، فقولي لي بربِّك: هل ترضين أن يكون زوجك ذلك الرجل الذي يدخل البيت وقد تعلق قلبه امرأة متبرجة؟ ملكت عليه فكره، وَأَصْبَحَتْ أمام ناظريه وهو ينظر إليكِ، ويقارن بينكِ وبينها، وأنت تتعاملين معه بعفوية، وتجاذبينه الحديث، والشيطانُ يعمل في تزيين تلك المتبرجة في نفسه، ويُجَمِّلها أكثر منك؟

إنَّ كل عاقل، من ذكر وأنثى، سيقول: إنَّكِ لو علمت بما في نفسه لتحولت بركانًا من الغيرة، وَلأَحْرَقَتْ نارُك مقوماتِ الحياة الزوجية القائمة، ولظلت تلك الحالةُ مصيبةً لا تنسينها، ولظللتِ طول عمرك تخافين أن يكون زوجك على تلك الحال التي أغضبتك، ولما استطعت التخلص من ذلك الهمّ مهما طالت الأيام، وتعاقبت السنوات. والرجل كذلك، بل أشدَّ.

واعلمي، بارك الله فيك، أنَّ الرجل عُرضة للافتتان بالمتبرجات، ولو كانت زوجته جميلة،فكيف إذا لم تكن كذلك؟

والحديث في هذا يطول،وفي هذا الذي ذكرناه كفاية لمن كان له قلب،أو ألقى السمع وهو شهيد.

وفي هذه الرسالة المختصرة بيان لصفات الحجاب الذي أمر الله - تعالى - به، وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ صفة من صفاته قرنتها بأدلتها من الكتاب والسنة، وأقوال وأفعال الصحابة رضوان الله عليهم، وأقوال العلماء من بعدهم، وذلك لتعلم المسلمة حقيقة الحجاب الذي أراد الله - عز وجل - منها أن ترتديه، وليكون ارتداؤها له عن قناعة، وتمسكها به تمسك مطمئنة إلى صحة ما تمسكت به، وحتّى لا تكون عرضة للشك من فعلها كلما عرضت لها شبهة، وبذا يكون حجابها طاعة لربِّها، ومصدر فخر واعتزاز لها بين بنات جنسها، وليكون حقًّا رمز طهر وعفاف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت