الصفحة 637 من 35630

والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي وإخفائها الزينة التي أمر الله بإخفائها عن الرجال الأجانب تكون حرةً، كما أرادها الله، ولا تكون نهبًا لكلِّ ذئبٍ بشري، يغرز أنيابَ نظراتِه في جسدها العاري طولًا وعرضًا، وإن سنحت له فرصةٌ صنع أكثرَ من ذلك، وهذه خطوات الشيطان، التي يستزلّ بها من أطاعه، وذلك أنَّ نظرة الرجل تُنشيء في قلبه الميل إلى من أُعجب بها، ثم يتحول ذلك الميلُ إلى حبّ، والحبُّ يجر إلى إدامة التفكير، وانشغال القلب بمن أحبّ حتّى يورثه ذلك عزمًا على الوصال بمن تعلق قلبُه بها، وقد قيل شعرًا:

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ *** فكلامٌ فموعدٌ فلقاء

وهذا تسلسلٌ لخطوات الشيطان، من أطاعه في أولها، هوّن عليه التي تليها، وهكذا حتى يصل منتهى تلك الخطوات الشيطانية، وفي كتاب الله - تعالى - ذكر لأولها، وتخويفٌ من الوقوع في آخرها، وهو، والله أعلم، بيانٌ لحتمية الوقوع في آخرها متى تساهل العبد وأطاع إبليس في أولها.

قال الشاعر:

وَمُسْتَفْتِحٍ بَابَ البَلاءِ بِنَظْرَةٍ *** تَزَوَّدَ مِنْهَا قَلْبُهُ حَسْرَةَ الدَّهْرِ

وقرأ طاووس، - رحمه الله - ، قول الله - تعالى - [وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] فقال: في أمور النِّساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النِّساء (تفسير عبد الرزاق 1/154، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن 8/216. والآية في سورة النساء برقم 28) .

وسئل سفيان الثوري، - رحمه الله - ، عن قوله [وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] : ما ضعفه؟ قال: المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها، وهو لا ينتفع بها، فأيّ شيء أضعفُ من هذا؟

وكنتَ متى أرسلتَ طرفَكَ رائدًا *** لقلبِكَ يوما ً أتعبتكَ المناظرُ

رأيتَ الذي لا أنتَ قادرٌ *** عليه ولا عن بعضِه أنتَ صابرُ

وقال آخر:

كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلبِ صاحبِها *** فَتْكَ السِّهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ

يسرُّ مقلتَه ما ضرَّ مهجَتَه *** لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضررِ

ومن المعلوم أنَّ أنوثة المرأة رأسُ مالها، وهي قيمتها التي تكمن فيها قوتها، وكلما صانت المرأةُ أُنوثَتَها عن الابتذال كلما زادت أنوثتُها قوة، وأنوثة المرأة لها مثلُ رجولة الرجل له، فهو يعتزّ بهذه، وهي تفخر بتلك، وكلما ابتذلت المرأةُ نفسها كلما نقصت أنوثتها، وقلَّ قدرها، وكلما نقصت رجولة الرجل كلما قلَّ قدره، فهذه بهذه، وتلك بتلك، الكلُّ بالكلّ، والحصةُ بالحصة!

والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي وإخفائها زينتها، لسان حالها يقول لكل رجل أجنبي: غضَّ الطرف، فلستُ لك، ولستَ لي. إنِّي حرّة مستقلة، لا أستجدي عينًا نظرة؛ فأنا أعلى من ذلك قدرًا، وأرفع مقامًا، لكوني قد سلكت سواءَ السبيل، وأعلنت للجميع طهري وعفافي، وحريتي واستقلالي بلبسي لحجابي.

أما المتبرجة، التي تبذلت بإظهار محاسنها للرجال الأجانب، فمسكينة مسكينة، لسان حالها يستجدي كلَّ ذئبٍ بشري، ويترجاه قائلًا: هل من نظرة؟ هل ... وهل ... ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت