فهرس الكتاب
أما الزينة الثانية: فزينة باطنة يباح إظهارها لمن ذكرتهم الآية: { إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن } إلخ الآية.
وأنت خبير أيها المؤمن، وخبيرة أيتها المؤمنة بأن ممن رخص في إبداء الزينة أمامهم: الأطفال، وغير أولي الإربة من الرجال.
والوجه مجمع الحسن ومحط الفتنة، فهل يرخص كشفه للبالغين وأولي الإربة من الرجال. الأمر في هذا جلي ظاهر.
وفي نفس الآية الكريمة: { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } [النور: 31]
وهو ما يتحلى به في الأرجل من خلخال وغيره، فإذا كان صوت الخلخال بريدا إلى فتنة، فكيف بالوجه الذي يحكي الجمال، والشباب، والنضارة. وصوت الخلخال يصدر من فتاة وعجوز، ومن الجميلة ومن الدميمة.
أما الوجه فلا يحتمل إلا صورة واحدة.
يقول صاحب الدار المختار في فقه أبي حنيفة - رحمه الله:"وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لخوف الفتنة كمسه، وإن أمن الفتنة".
ويقول عليه الشارح ابن عابدين - رحمه الله:"المعنى أنها تمنع من الكشف، لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع في الفتنة، لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة، وأما قوله: (كمسه) أي: كما يمنع من مس وجهها وكفيها، وإن أمن الشهوة، لأنه سبيل إلى الشهوة والفتنة فكذلك يغطى الوجه، لأنه طريق إلى الفتنة."
وقبله قال أبو بكر بن الجصاص:"والمرأة الشابة مأمورة بستر وجهها، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع فيها أهل الريب".
وفي السنة أيها المؤمنون والمؤمنات أبيح للخاطب النظر من أجل الخطبة، فغير الخاطب ممنوع من النظر. والمقصود الأعظم من النظر هو الوجه، ففيه يتمثل جمال الصورة.
وحينما قال - صلى الله عليه وسلم: « من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة.
قالت أم سلمة - رضي الله عنها: فكيف يصنع الناس بذيولهن؟أي: الأطراف السفلى من الجلباب والرداء.
قال: يرخين شبرا.
قالت: إذا تنكشف أقدامهن!
قال: فيرخينه ذراعا ولا يزدن عليه » [رواه البخاري ومسلم]
فإذا كان هذا في القدم فالوجه أكثر فتنة، فلا يعدو أن يكون تنبيها بالأدنى عن الأعلى. والحكمة والنظر تأبيان ستر ما هو أقل فتنة، والترخيص في كشف ما هو أعظم فتنة.
ومهما قيل في الحجاب، في كيفيته وصفته، فما كان يوما ما عثرة تمنع من واجب، أو تحول دون الوصول إلى حق، بل لقد كان ولا يزال سبيلا قويا يمكن المرأة من أداء وظيفتها بعفة، وحشمة، وطهر، ونزاهة على خير وجه وأتم حال.
وتاريخ الأمة شاهد صدق لنساء فضليات جمعن في الإسلام أدبا، وحشمة، وسترا، ووقارا، وعملا مبرورا، دون أن يتعثرن بفضول حجابهن، أو سابغ ثيابهن.