فهرس الكتاب
وتساءل الكاتب عن الحكمة والمصلحة من وراء هذا التشريع، مع أن كثيرًا من هؤلاء العصبات من إخوة وأعمام، قد يكونون أبعد ما يكون عن الميت المورث من الناحية الواقعية، فلا مودة ولا صلة ولا تزاور، حتي إذا مات الرجل، وترك ابنة أو اثنتين أو ثلاثًا، ظهر هؤلاء العصبة بعد اختفاء، وقربوا بعد ابتعاد، وطالبوا بنصيبهم في التركة، فهل هذا يتفق مع حكمة الشريعة التي أقامت أحكامها علي أساس تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد؟
لقد أثار هذا الكلام بعض البلبلة لدي بعض الناس. لهذا نرجو بيان حكمة الشريعة في هذا الأمر. ولكم الأجر من الله والشكر من الناس.
... السؤال
16/03/2006 ... التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي ... المفتي
... ... الحل ...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
من مزايا الشريعة الإسلامية أن أحكامها متماسكة متكاملة ومتناسقة يأخذ بعضها بحجز بعض، ولا ينفصل بعضها عن بعض، فهي وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أخذ بعضها معزولًا عن البعض الآخر، ومن هنا قال الله تعالي لرسوله ولكل من يحكم في الأمة من بعده: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) (المائدة: 49) . وأنكر أشد الإنكار علي بني إسرائيل أخذهم ببعض الكتاب دون بعض، بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلي أشد العذاب) (البقرة: 85) .
وعلي هذا الأساس كان تشريع ميراث (العصبة) في الإسلام.
وأصل هذا ثابت بالسنة الصحيحة المتفق عليها عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه قال:"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولي رجل ذكر".
والفرائض هي المقادير والأنصبة التي فرضها الله وقدرها في كتابه لأصحابها من الثمن، والربع، والنصف، والسدس، والثلث، والثلثين، ومن المعلوم أن هذه الفرائض قد لا تستغرق التركة في بعض الأحوال، كما إذا ترك الميت بنات لا ذكور معهن، فكيف يوزع الباقي، الذي سكت عنه القرآن؟
هنا جاء الحديث الصحيح، وحدد طريقة التوزيع والاستحقاق، وأنه"لأولي رجل ذكر"، وأولي الرجال الذكور هؤلاء هم الذين نسميهم"العصبة"وهو الذي يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض من التركة، وينفرد بها إذا لم يوجد صاحب فرض.
ففي حالة ما إذا ترك الميت ابنتين أو ثلاثًا مثلًا، وأمّا وزوجة، فإن البنات لهن الثلثان والأم لها السدس والزوجة لها الثمن وهذه فرائض منصوص عليها في القرآن.