الصفحة 9348 من 35630

... بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

لم يبح الشرع للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها،ولم يستثن العلماء من ذلك إلا صلة الرحم ،وهو أمر خلافي بين الفقهاء،ولكن لم يبح أحد للمرأة أن تسافر بغير إذن زوجها،سواء أكان ذلك للعمل ،أم للدراسة ،أم لأي أمر آخر،لما في سفر المرأة من تفويت كثير من الحقوق على الزوج بدون رضاه،ولا يعني ذلك حبس المرأة،بل هو تنظيم للحياة الاجتماعية،فإنه لامانع من سفرها ،ولكن بعد إذن الزوج في ذلك ،والأمور تقدر بقدرها،فإن دعوى حرية المرأة أقل بكثير من تفويت حقوق الزوجية،التي على أساسها تبنى البيوت .

يقول الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:

اهتم الإسلام بالمرأة وجعل لها من الحقوق مثل ما جعل للرجل، وراعَى الشارع في بعض الأحكام طبيعة المرأة وما جُبلَت عليه فاختصَّها ببعض الأحكام التي تتحقق بها صيانتها وحمايتها ومصلحتها. وعقد النكاح كسائر العقود الشرعية رتَّب الشارع عليه حقوقًا والتزاماتٍ متقابلةً بالنسبة لكل من الزوجين في مقابلة الآخر، ومن هذه الحقوق القَرارُ في بيت الزوجية وعدم خروج الزوجة منه إلا بإذن الزوج، وقد ورد في ثبوت هذا الحق للزوج أحاديثُ، منها ما رُوي عن ابن عمر قال: أتت امرأة إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول الله، ما حق الزوج على زوجته؟ قال:"حقه عليها ألاّ تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعَلَت لَعَنَتها ملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع إلى بيتها أو تتوب"قيل: يا رسول الله، وإن ظَلَمَها؟ قال:"وإن ظَلَمَها".

وعدم خروج المرأة من منزل الزوجية إلا بإذن الزوج وإن كان أصلًا إلا أن الفقهاء أوردوا عليه استثناءً بمقتضاه يكون للزوجة الحقُّ في زيارة والدَيها وعيادتِهما في مرضهما، بل وتمريضهما وخدمتهما ومواساتهما في مُصابهما والخروجِ لذلك وإن لم يأذَن الزوج، وأجازوا لها الخروج لبعض ذلك مع سائر الأقارب غير الوالدَين بضوابط اعتبروها لذلك، ولا تُعَدّ ناشزًا بخروجها لذلك باعتباره من الإحسان للوالدَين وصلة الرحم المأمور بهما.

وقرار الزوجة في منزل الزوجية كحقٍّ قرَّره الشارع للزوج على زوجته لم يُقصد منه حبس الزوجة في منزل الزوجية أو تقييد حريتها في الخروج منه أو الدخول إليه، وإنما قُصد به القيام على أمر هذا المنزل ورعايته والمحافظة على ما فيه، باعتباره الواحةَ التي تَفَيَّأ الزوجُ المكدود ظلَّها بعد عناء البحث عن أسباب الحياة له ولزوجه وأولاده، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها". ومقتضى مساءلتها عن رعايتها لهذا البيت أن تَقَرَّ فيه ولا تخرجَ منه إلا لما تقتضيه مصلحته إن أَذِنَ لها في الخروج، وليس من رعايتها لبيت الزوجية أن تخرج منه مسافرةً للعلم بدون رفقة الزوج وبدون إذنه، بل هو تقويض لبنيانه وتفويتٌ لحقٍّ شرعيٍّ أوجبه الشارع للزوج على زوجته، وإخلافٌ لقول الحق سبحانه: (ومن آياته أن خلَق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها) لفوات الاستئناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت