فهرس الكتاب
حقًا إنها لحظات حلوة، كم ودّ الإنسان أن تبقى له ولأحبابه.. لكن الإنسان والحياة، وما فُطر عليه كلٌ منهما من التقلب وعدم بقاء الحال ربما نغّصا على المتفائل حلمه، وعكّرا عليه صفو أمله.. وتظل الجنة التي وُعد المتقون هي دار الفرحة التي لا يكدّرها حزن، ولا يطرأ عليها تقلّب.
وأن نُقْدِمَ على حياتنا الزوجية بروح التفاؤل .. مطلب نفسي وإيماني مهم ، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول:"يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ؛ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ"رواه مسلم.
ولا صراع بين الأمرين: التفاؤل.. وحصول الأكدار.. فالمؤمن يستبشر خيرًا بالكلمة الطيبة، ويستعد للأقدار بيقين الإيمان.
ويبقى بين يدي الزوجين تقلّب هذه الروح التي بين جوانحهما، وتأثرها بشواغل الحياة وأوصابها ومثيراتها.. فهل استعدت النفوس لمثل هذا كله؟
تعب العمل.. والمرض.. والطبع.. وسوء الظن.. والوسواس.. والغيرة.. والأنانية.. والتدخل الخارجي في بيت الزوجية.. وَنَصَبُ تربية الأولاد.. والمال كثرة وقلّة.. .. أسباب لاستثارة روح الغضب لدى الزوجين، والنفس لن تستطيع أن تتخلّى عن كل تلك الأسباب إن استطاعت أن تتخلّى عن بعضها، ولكن ما الشأن في نتيجتها، وهي: الغضب؟
حلقة الوصل بين الإطلالة الوردية قبل الزواج.. وفترة العسل في أوله.. والغضب لأي سبب بعده.. هو أن نعرف أن كلًا من الزوجين يحب الآخر، ويأنس به، ويأمل في حياةٍ معه لا غضب فيها ولا اختلاف، وهذا أساس يغيب عن الذهن في حالة فوران النفس، ولذا ألتمس من الزوجين كخطوة أولى أن يحاولا استذكار الأيام الأولى من زواجهما في حال الاقتراب من حال الغضب أو بعد الوقوع فيه؛ فإن هذا سيخفف من وطأته على الروح، ويقلّل من آثاره على البدن.
وما أجمل أن يبادر الغضبان من الزوجين أو أن يذكّر أحدهما الآخر بما أمر به النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - في مثل هذه الحال، فيتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم-: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ؛ لَوْ قَالَ:"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ". رواه البخاري.
فما أسهل هذه الكلمة على اللسان، لكنني أعلم أنها في تلك اللحظة لن تكون ثقلية عليه بقدر ما هي بعيدة عن ذهنه، ولا تحتاج سوى همسة ممن يواجه غضب صاحبه يذكره بها بكل لطف ورفق.
ولعل معرفة الزوجين لبعضهما من حيث طبيعة العمل أو الطبع أو الصحة سوف يعطي مساحة جيدة في سعة الصدر وطلب المعذرة والصفح وتحمّل بعض الغضب؛ فالمرأة ينبغي أن تعرف ما يتعرض له الرجل في عمله من تعب أو مواقف أو مسؤوليات تملأ عليه تفكيره حتى يضيق بها صدره، فلا يبقى له من الحلم ليرى خطأ ولو يسيرًا من زوجته أو ذريته، الأمر الذي يجعله في حالة طوارئ.. على مَنْ حوله أن يعذره فيها، ولا يؤاخذه على سرعة غضبه ونفور نفسه، وهذه المعرفة لدى