فهرس الكتاب
بحشمتها ولا يعرّضها للفتنة، وهي بتقواها وصلاحها تسعى ألاّ يؤثر هذا على سعادتها مع زوجها أو يقلل من رعايتها لأبنائها، ولو أخذ منها هذا أو ذاك جهدًا أكبر؛ لأنها تعلم علمًا يقينيًا أن الحياة جهاد، وما أجمله أن يُبذل لسعادة الأسرة ونهوض الأمة.
ولفتة أتمنى من الزوج صاحب النظرة الثاقبة البعيدة أن يلتفت إليها، وهي أننا نعلم بلا ريب أنك ترغب في زوجة لا تُنقِص من حقوق إسعادك شيئًا، ولكن هل لك أن تعذرها فيما يبدو منها من نقص في بعض حقوقك؟ فهي تظل بشرًا، وإذا علمت أن سبب تقصيرها هو عملها الشريف الذي تخدم به مجتمعك وأمتك، فهذا يشفع لها في غضّ النظر عما يبدر منها من تقصير، فلتكن عونًا لها، ولتكن عونًا لك؛ لتسير دفّة المنزل والمجتمع نحو السعادة والنجاح.
ـــــــــــــــــــ
فقر المشاعر في الحياة الزوجيّة
من البيوت ما يخيّم عليها الصّمت المطبق، ويسودها السكون الموحش؛ فلا تأنس الزوجة فيها بحديث زوجها، ولا هو يأنس بحديثها، ولا يسمع أحدهما من الآخر كلمة حبّ أوعطف أو حنان.
ومن الأزواج من يكثر لوم زوجته، وانتقادها في كل صغيرة وكبيرة ؛ فتراه ينتقد الطعام الذي تعدّه الزوجة، ويعاقبها إذا بكى أولاده الصغار، أو كثر عبثهم، وتراه يبالغ في تأنيبها إذا نسيت أو قصّرت في أي شأن من شؤونه.
وأقبح ما في ذلك أن يعنّفها فيما لا قدرة لها عليه، كأن يلومها إذا كانت لا تُنجب، أو لا تُنجب إلا بنين وحسب، أو بنات وحسب. ويلومها إذا أنجبت ولدًا مصابًا ببعض العيوب الخلقية؛ فيجمع بذلك بين ألمها في نفسها وبين إساءته البالغة بقوارصه التي تقضّ مضجعها، وتؤرق جفنها.
وما هذا بمسلك العقلاء؛ ذلك أن كثرة اللوم لا تصدر من ذي خلق كريم، أو طبع سليم، ثم إن ذلك يورث النفرة، ويوجب الرهبة.
َدَعِ العتابَ فربَّ شرْ *** ر هاج أوّله العتاب
فالزوج العاقل الكريم لا يعاتب زوجته عند أدنى هفوة، ولا يؤاخذها بأول زلة.
بل يلتمس لها المعاذير، ويحملها على أحسن المحامل.
وإن كان هناك ما يستوجب العتاب عاتبها عتابًا ليّنًا رقيقًا تدرك به خطأها دون أن يهدر كرامتها، أو ينسى جميلها.
ثم ما أحسن أن يتغاضى المرء ويتغافل؛ فذلك من دلائل سموّ النفس وشفافيّتها وأريحيّتها، كما أنه مما يُعلي المنزلة، ويريح من الغضب وآثاره المدمّرة.
وإن أتت المرأة ما يوجب العتاب فلا يحسن بالزوج أن يكرّر العتاب، وينكأ الجراح مرة بعد مرة؛ لأن ذلك يفضي إلى البغضة، وقد لا يبقي للمودة عينًا ولا أثرًا.
ومما يعين الزوج على سلوك طريق الاعتدال في عتاب الزوجة أن يوطّن نفسه على أنه لن يجد من زوجته كل ما يريد، كما أنها لن تجد فيه كل ما تريد؛ فلا يحسن به - والحالة هذه - أن يُعاتِب في كل الأمور، وأن يتعقّب كل صغيرة وكبيرة؛ فأيّ الرجال المهذب؟ ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟