فهرس الكتاب
وبعضهن يحسن إليها الزوج غاية الإحسان، فإذا حصلت منه زلّة، أو هفوة، أو غضبت عليه غضبة نسيت كلّ ما قدّم لها من إحسان، وتنكّرت لما سلف له من جميل.
وهكذا تعيش في نكد وضيق، ولو رزقت حظًَّا من القناعة لأشرقت عليها شموس السعادة.
ومثل هذه المرأة توشك أن تُسلب منها النعم، فتقرع بعد ذلك سنّ النّدم، وتعض أنامل التفريط، وتقلِّب كَفَّيْها على ما ذهب من نعمها.
إن السعادة الحقة إنما هي بالرضا والقناعة، وإن كثرة الأموال والتمتع بالأمور المحسوسة الظاهرة - لا يدل على السعادة؛ فماذا ينفع الزوجة أن تتلقى من زوجها الحليّ والنفائس والأموال الطائلة إذا هي لم تجد المحبة، والحنان، والرحمة، والمعاملة الحسنة؟
وماذا ستجني من جراء تسخّطها إلا إسخاط ربها، وخراب بيتها، وتكدير عيشة زوجها؟
فواجب على المرأة العاقلة أن تتجنب التسخّط، وجدير بها أن تكون كثيرة الشكر؛ فإذا سُئلت عن بيتها وزوجها وحالها أثنت على ربها، وتذكرت نعمه، ورضيت قسمته؛ فالقناعة كنز الغنى، والشكر قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة؛ فإذا لزم الإنسان الشكر درّت نعمه وقَرَّت؛ فمتى لم ترَ حالك في مزيد فاستقبل الشكر.
كيف وقد قال ربنا - عز وجل: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
بل يحسن بالزوجة أن تشكر ربها إذا نزل بها ما تكرهه؛ شكرًا لله على ما قدّره، وكظمًا للغيظ، وسترًا للشكوى، ورعاية للأدب.
ثم إن الشكوى للناس لا تجدي نفعًا، ولا تطفئ لوعة - في الغالب -.
ولهذا رأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال:
"يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك".
وإذا عرتك بليّة فاصبر لها *** صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما *** تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
وإن كان هناك من حاجة لبثّ الشكوى لمن يعنيهم الأمر؛ طلبًا للنصيحة، أو نحو ذلك - فلا بأس، وإلا فلماذا نثير انتباه الذين لا يعنيهم أمرنا، ولا ننتظر منهم أي فائدة لنا، فنفضح أنفسنا، ونهتك أستارنا، ونُبين عن ضعفنا وخورنا في سبيل الحصول على شفقة أو عطف ليس له من نتيجة سوى ازدياد الحسرة وتفاقم المصيبة.
ثم إن من حق الزوج على زوجته أن تعترف له بنعمته، وأن تشكر له ما يأتي به من طعام، ولباس، وهدية ونحو ذلك مما هو في حدود قدرته، وأن تدعو له بالعوض والإخلاف، وأن تظهر الفرح بما يأتي به؛ فإن ذلك يفرحه، ويبعثه إلى المزيد من الإحسان.
كما يحسن بالزوجة أن تستحضر أن الزوج سببُ الولدِ، والولدُ من أجل النعم، ولو لم يكن من فضل الزوج إلا هذه النعمة لكفاه؛"فمهما تكن الزوجة شقيّة بزوجها فإن زوجها قد أولدها سعادتها، وهذه وحدها مزيّة ونعمة".