فهرس الكتاب
ويتعين عليه أن يتحفظ في نفسه بالفعل ، وفي غيره بالقول ، من هذه الخصلة القبيحة التي عمَّت بها البلوى في الغالب ، وهي أن الرجل إذا رأى امرأةً أعجبته وأتى أهله جعل بين عينيه تلك المرأة التي رآها .
وهذا نوع من الزنا ؛ لما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أخذ كُوزا يشرب منه الماء ، فصوَّرَ بين عينيه أنه خمر يشربه ، أن ذلك الماء يصير عليه حراما .
وما ذُكر لا يختص بالرجل وحده ، بل المرأة داخلة فيه ، بل هي أشد ؛ لأن الغالب عليها في هذا الزمان الخروج أو النظر من الطاق ، فإذا رأت من يعجبها تعلق بخاطرها ، فإذا كانت عند الاجتماع بزوجها جعلت تلك الصورة التي رأتها بين عينيها ، فيكون كل واحد منهما في معنى الزاني ، نسأل الله السلامة منه .
ولا يقتصر على اجتناب ذلك ليس إلا ، بل ينبه عليه أهله وغيرهم ، ويخبرهم بأن ذلك حرام لا يجوز .
"المدخل" ( 2 / 194 ، 195 ) .
وقال ابن مفلح الحنبلي - رحمه الله -:
ذكر ابن عقيل وجزم به في"الرعاية الكبرى": أنه لو استحضر عند جماع زوجته صورةَ أجنبيَّةٍ محرَّمَةٍ أنَّه يأثم ، ...أما الفكرة الغالبة فلا إثم فيها .
"الآداب الشرعية" ( 1 / 98 ) .
ودليل هذا القول: ما يرجحه طائفة من أهل العلم من أن خواطر النفس إذا أصبحت عزيمة وإرادة دخلت في دائرة التكليف ، والتخيلات المحرمة التي يجلبها الذهن بإرادته انتقلت من دائرة العفو ؛ لأنها أصبحت هَمًّا وعزيمة يحاسب عليها المرء .
قال النووي - رحمه الله -:
وسبب العفو ( عن حديث النفس ) ما ذكرناه من تعذر اجتنابه ، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه ، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما .
"الأذكار" ( 345 ) .
القول الثاني: الجواز ، وأنه لا حرج على من فعل ذلك: وهو قول جمع من متأخري الشافعية: منهم السبكي والسيوطي .
قالوا: لأن التخيلات ليس فيها هم ولا عزم على معصية ، إذ قد يتخيل في ذهنه أنه يباشر تلك المرأة الأجنبية وهو مع ذلك ليس في قلبه عزم على فعله والسعي إليه ، بل قد يرده لو عرض عليه .
جاء في"تحفة المحتاج في شرح المنهاج" ( 7 / 205 ، 206) - وهو من كتب الشافعية -:
"لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر والتخيل فعل زنا ولا مقدمة له ، فضلا عن العزم عليه ، وإنما الواقع منه تصور قبيح بصورة حسن"انتهى .
وانظر"الفتاوى الفقهية الكبرى" ( 4 / 87 ) .
والذي يبدو أن الراجح القول بكراهة ذلك التخيل إن لم نقل بالتحريم ، وذلك للأسباب التالية: