عبارته سليمة، لا مأخذ ولا لوم يتوجه عليه فيها، فحثني إنصاف هذا العالم على المبادرة إلى الدفاع عنه، وبيان مراده من ذلك القول، والاستدلال لصحته.
هذه الإمام هو أبو حاتم بن حبان البستي (ت 354هـ) ، أما مقالته التي هي محط انتقاد بعض الأئمة، ومجال الدراسة هنا، فهي قوله في مقدمة صحيحه (المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها) :"فأما الأخبار: فإنها كلها أخبار أحاد، لأنه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر، من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استحال هذا وبطل، ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا م رواية الآحاد" [1] .
هذه هي عبارة ابن حبان المقصودة، التي أخذت عليه، وبعد دراسة هذه العبارة دراسة فاحصة دقيقة، ظهر لي أنها تحتمل معنيين، كلاهما صحيح مقبول، ولا يتناقصان، بل مآلهما إلى معنى واحد، وسأعرض لك فيما يلي هذين المعنين:
فالمعنى الأول، هو ما نستجليه بما يلي:
-تضمن كلام ابن حبان إثباتًا لنوع من الأحاديث ونفيًا لما سواه، فأثبت أن الأحاديث كلها خبر آحاد، ونفي ما يقابل خبر الآحاد من أن يكون له وجود في الأحاديث النبوية.
-ومعلوم أن خبر الآحاد يشمل: ما تفرد بروايته شخص واحد (وهو الغريب) ، وما لم يروه أقل من أثنين عن اثنين، وما رواه أكثر من أثنين ما لم يبلغ حدّ التواتر، وهما (العزيز) و (المشهور) .
(1) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لابن بلبان (1/ 156) .