فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 32

فجمع بين الدم والعرض في الحرمة لما في الوقيعة في الأعراض من إيغار الصدور، وإبداء الشرور وإظهار البذاء واكتساب الأعداء، فلا يبق مع هذه الأمور وزن لكبير، ولا حرمة لذي مروءة، فيكون الإنسان -أعني الذي أطلق لسانه- موتورًا موزونًا، ولأجل ذلك يكون مهجورًا مزجورًا، وذلك أن خفيف الورع حينما يطلق لسانه في أعراض الناس يلتقط معايبهم، ولربما اختلق العيوب التي ليست فيهم، ولربما فعل ذلك تطلبًا للمروءة، حيث أخطأ طريقها، فأراد المروءة من غير كد بأن يلصق العيوب بغيره، والعرب تقول:"فلان يتمرأ بنا"، يعني يلصق بنا العيوب كأنه يتنزه هو عنها، يطلب المروءة بنقص غيره، أما صاحب المروءة الحقة فإنه يبخل بوقته عن هذه الطوية الحقيرة، ولا يرضى أن يشغله ذلك عما تتقاضاه المروءة من الحقوق، قال بعضهم لخالد بن صفوان: كان عبدة بن الطيب شاعرًا ولكنه كان لا يحسن الهجاء، فقال لهم القائل:"لا تقل ذلك، فو الله ما تركه من عي -يعني من عجز- ولكنه كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة، كما يرى تركه مروءة وشرفًا".

وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب

وقد قال أديب أهل السنة ابن قتيبة -رحمه الله- في كتابه عيون الأخبار يقول:"قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس؛ لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها".

وذلك أن الكريم لا يتفطن لعيوب الناس ولا يطلبها، وهو غافل عنها تمامًا، وأما لئيم الطبع فهو قاموس في مساوئ الأخلاق، وله على كل أحد مسرد من العيوب، والقبائح والدنايا التي يعزوها إليه، إما بتتبعه وإما ببهته، فيرميه بما ليس فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت