فأخلاق الناس في حال النزهة والبرية أو السفر حيث يحتاجون إلى شيء من مزيد المفاكهة والمباسطة؛ لأن أخلاق الناس لربما تنقبض ويحصل شيء من الجفوة والخشونة بسبب ما يحصل من مصاعب السفر، فهو قطعة من العذاب، فيحتاجون إلى مزيد من المباسطة بما لا يخل بالمروءة وفي حال الحضر أو مجالس الذكر والعلم فإن هذه لها ما يليق بها والناس في هذا على مراتب.
هذا يزيد بن هارون إمام كبير من أئمة السلف -رضي الله عنهم وأرضاهم- كان فيه دعابة، وكان الإمام أحمد -رضي الله عنه- يغلب الجد، فجلس الناس عنده بين يديه -بين يدي يزيد بن هارون- وكان الإمام أحمد -رحمه الله- من تلامذته فجلس يزيد بن هارون -رحمه الله- يفاكه بعض من جلس ويضاحكه، فتنحنح الإمام أحمد فالتفت فرآه، فقال: هلا أعلمتموني، يعني أنه ها هنا؛ لما له من الجلالة والمهابة في نفوس الناس حتى في نفوس شيوخه.
إن كثرة المزاح في المجالس وفي المعاشرة تذهب المروءة -كما قال الأحنف بن قيس- والذي يسرف في المزاح يستجلب عداوة الناس، ويقع -ولا بد- في شيء من اللغو، ولربما الظلم والإسفاف، فيصدر منه ما يؤذي من القول والفعل والنظر والغمز واللمز، وكمال الإنسانية لا يلتقي إطلاقًا بلغو الحديث أو إيذاء من يجالس ويعاشر ويخالط، فهذا حال الإنسان الذي أراد أن يحفظ مروءته.
من المروءة في المجالسة أن نحسن الإصغاء لمن يحدثنا، فهذا أدب نحتاج إليه كثيرًا، فلربما يتحدث الناس فيفاجأ أن الذي يُحدث يقوم وينسل من المجلس وصاحبه يحدثهم، بل رأيت رجلًا يتحدث أبوه في المجلس -وأبوه رجل كبير لا يعرف إلا بعض القضايا التي عفا عليها الدهر، فهو يرددها؛ لأنه لا جديد عنده، فزجره ولده، وقال: ليس عندك إلا هذا؟ والتفت لبعض جلسائه وجلس يتحدث معهم هذا الولد، أما علم هذا الابن أن هذا من أعظم العقوق؟ لربما تصبب الإنسان عرقًا إذا رأى مثل هذه الأخلاق مع أنها لم تصدر منه.