والأمر الآخر: وهو ما حصل من غلبة المادة على كثير من المسلمين، فصار هم كثير منهم أن يحصل بغيته ومطامعه، ولو كان ذلك على حساب الأخلاق، ولو كان ذلك على حساب كرامته وشيمته ومرتبته عند الله -عز وجل- وعند خلقه، فإذا تهافت الناس على هذه المادة، وصارت شغلًا لهم، وصارت هي غاية مطلوبهم، فإنهم بعد ذلك قد لا يرفعون رأسًا لمكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
وهناك أمر ثالث: وهو أن الإنسان مدني بطبعه، فلا بد له من مخالطة، وهذه المخالطة تقتضي أمورًا يجب عليه أن يفعلها، من إكرام الضيف ومن الإحسان إلى الأهل والجيران والقرابات، إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات التي يتعين عليه أن يؤديها، وأن يقوم بها على الوجه المطلوب، ثم أيضًا لا يخلو الإنسان من أضداد، ولا يخلو الإنسان ممن يسيء إليه بكلمة أو بفعل أو بغمز أو همز أو لمز أو بغير ذلك.
وأنت تسير في الطريق لربما ألقى عليك إنسان لا يحسب حسابًا للكلام لا تليق، فماذا تصنع؟ هل تنزل فتكون مساويًا لهذا الإنسان في أخلاقه ودناءته وتقاصره عن المطالب العالية، وبالتالي تكون قد ساويته.
وأنت تتحدث في الهاتف لربما أخطأت الرقم المطلوب، وابتليت بمن لا خلاق له فسمعت منه ما لا يرضيك، فهل تتطاول مع هذا الإنسان بالسباب والمشاتمة؟ تكون إذن قد ساويته.
لربما ترتبط مع إنسان في عقود، أو في عهود أو في مبايعات ومعاملات أو شراكة أو غير ذلك، فترى من ألوان المطل والظلم وأكل حقوق الناس والكذب وإخلاف المواعيد، فكيف تستخلص حقك؟ وكيف تحرز نفسك من ظلم هؤلاء الذين لا يعبؤون بحق، ولا يرعون ذمة ولا عهدًا، فهل تبقى معهم في حال من المهارشة تنزل فيها عن مستواك الرفيع فتصل إلى دركات هابطة من أجل أن تستخلص هذا الحق ولو كان حقيرًا؟
فأقول: الإنسان بحاجة إلى أن يضبط نفسه في مثل هذه المقامات جميعًا، فهذا أمر لا بد من معالجته.