نحن نرى في كثير من الأحيان والأحوال، خللًا في مظاهر المروءة في حياة الناس، في اجتماعاتهم، وفي معاملاتهم، وفي مناسباتهم وفي غير ذلك مما يتعاطونه، فإذا ترك الناس ولم تصوب أفعالهم، ولم يحصل التواصي الذي أمر الله -عز وجل- به، فإن الناس يسرق بعضهم أخلاق بعض ويتأثرون، شعروا بذلك أم لم يشعروا، وكما قيل: الطبع سراق، والناس كأسراب القطا جبلوا على تشبه بعضهم ببعض، فإذا تركت هذه المظاهر من غير معالجة، فإن ذلك لا يلبث أن يتحول إلى خلق لعامة الناس، ويصير فيه أصحاب المروءات غرباء كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود.
وأمر آخر: استدعى طرح هذا الموضوع، وهو أنه جرى الحديث في مجلس سابق عن أخلاق الكبار، وقد وردني بعد ذلك رسائل ومهاتفات، وكان ممن ورد ما رغبه بعض الإخوة من الحديث عن أخلاق الصغار، ولا نعني بالصغار صغار السن، وإنما المعني بذلك هم صغار النفوس، ولكني كرهت أن أتحدث في مجلس أجمع فيه المثالب والمساوئ والمعايب، ثم أطرحها بين يدي الناس؛ فهذا أمر لا يليق، والنفوس إنما خلقت لتفعل، ولم تخلق لتترك، وإنما الترك مقصودًا لغيره، وليس مقصودًا لذاته، والناس بحاجة إلى أن تعمر قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، ومحبة الله -عز وجل- والإقبال عليه وما أشبه ذلك، ثم يذكر ما يحتاج أن يبين لهم، وأن يتفطنوا له من أجل تركه، ومن هنا كان الحديث عن المروءة بدلًا من الحديث عن أخلاق الصغار، فإن ذلك يمكن أن يضمن فيه.
وحق لنا أن نقول في مثل هذه الأوقات ما قاله الأول:
مررت على المروءة وهي تبكي ... على علام تنتحب الفتاة
فقالت: كيف لا أبكي وأهلي ... جميعًا دون خلق الله ماتوا؟!
ثانيًا: ماذا نعني بالمروءة؟:
المروءة: مأخوذة من لفظ المرء كما تقول: الفتوة من الفتى، والإنسانية من الإنسان، والرجولة من الرجل.