وحقيقة هذه المروءة هي أن يتصف الإنسان بصفات الإنسان الحقيقية، التي يفترق بها عن الحيوان وعن الشيطان، إذ أن النفس تشتمل على دواع شتى، في النفس ما يدعو إلى أخلاق الشيطان، والشيطان يدعو إلى ذلك من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش، وفي النفس ما يدعو إلى الأخلاق البهيمية بالجري خلف الغرائز البهيمية، والبحث عن اللذات، كما أن في النفس ما يدعوها إلى أخلاق الملك من العلم والإحسان والنصح والبر والطاعة.
فإذا استطاع الإنسان أن يتجرد من داعي الهواء والشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وأن يتخلق بالأخلاق الفاضلة التي تتلاءم مع إنسانيته فينزع إلى أخلاق الملك، كما قال بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- فإنه يكون بذلك أسمى وأعلى.
وهذا السمو الذي حصله والعلو الذي حققه هو حقيقة المروءة، ولذا فعلى الإنسان أن يسمو عن الأخلاق الهابطة المشينة، التي لا تليق بالإنسان؛ ولذا قيل: المروءة هي غلبة العقل على الشهوة، أي: أن تزم الشهوة بزمام العقل.
إن المروءة هي كمال الإنسانية، وهي الرجولة الكاملة، وهي ما يسميه العامة في عصرنا الحاضر وبلغتهم الدارجة هي المراجل، هي ما يقولون عنه ويعبرون حينما ينشئون الصغار، هي درب الطيب، هي المكارم، هي السمو والرفعة والعلو، في الأخلاق، هي أن يترفع الإنسان ويتكرم وأن يعلو بنفسه عن أخلاق السفلة، وعن أخلاق البهائم حيث تتهارش على شهواتها ورغباتها.
البهائم جعلها الله -عز وجل- بشهوات من غير عقول، وجعل الله -عز وجل- الملائكة موصوفين بالعلم من غير غرائز ولا شهوات، وركب الله -عز وجل- الإنسان فجعل فيه ما ينزع إلى الشهوات وما ينزع إلى العلم والضبط والعقل والإدراك والمعرفة، فهو بحسب ما غلب عليه.
المروءة هي جماع مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، هي كمال النفس بصونها عما يوجب ذمها عرفًا، ولو مباحًا، مما يستقبح ويستهجن من أمثاله.