مشتاره) هو العسل الذي يجنيه الإنسان.
الذي يراه يحمل هذا العسل أو يجنيه يظن أن ذلك سهل المطلب، لكن إذا كانت المروءة بهذه المثابة، فكيف نستهل هذه الصعاب من أجل أن نحصلها؟
أقول: هذا أمر يحتاج إلى علو الهمة؛ لأنه يبعثنا على التقدم لتحصيل المطالب الكبار، ويولد عندنا الأنفة من الضعة والهبوط وأخلاق أهل الدنايا.
الهمة راية الجد، وعلو الهمم بذر النعم، كما أننا بحاجة إلى شرف تربى عليه النفوس، أن تكون النفس شريفة، فإذا كانت النفس شريفة أبت الدنايا والسفاسف، وإذا كانت النفس شريفة، كانت طالبة للمعالي قابلة للتأديب، وهنا يستقر فيها ويؤثر الترويض والتقويم، وإذا كانت النفس شريفة كانت راغبة في كل فضيلة، فإذا مازجها ذلك صار طبعًا لها، ونما واستقر، وأما المنى فهي بضائع النوكاء، وقد قيل: من دام كسله خاب أمله، وقالوا: نكح العجز التواني، فخرج منهما الندامة، ونكح الشؤم الكسل فخرج منهما الحرمان، والمرء حيث وضع نفسه
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانًا بها كانت على النفس أهونا
فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن ... عليك لها فاطلب لنفسك مسكنا
وإياك السكنى بمنزل ذلة ... يعد مسيئًا فيه من كان محسنا
فما الذي يعيينا على تحقيق المروءة:
أولًا: الذي نحتاجه أولًا، هو أن نربى على ذلك من نعومة الأظفار، أن نربي عليه الأبناء وهم في مقتبل العمر.
إذا المرء أعيته المروءة ناشئًا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد
والأغصان إذا اشتدت وقويت، فإن تقويمها أمر عسر، وإنما يكون التقويم في النشأة أسهل، وذلك أمر لا يخفى على المربين.
إننا بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على أن يستضيفوا زملائهم ونشجعهم على ذلك، وأن يدعو الواحد منهم أصحابه إلى بيته فيكرمهم ويطعمهم ويحتفي بهم، ينبغي أن نوعز له أن يقوم بهذا العمل، لا أن نكسر نفسه إن هم به ونحطمه ونزجره، ونقول: ما شأننا وشأن هؤلاء الناس.