""""""صفحة رقم 25""""""
البحث الثالث في إثبات منافع الأعضاء
قد منع قوم من الأولين منافع الأعضاء ، وقالوا إنها لم تخلق لمنفعة بعينها وأنها هي وغيرها إنما وجدت بالاتفاق ، وذلك لأن الفضاء عند هؤلاء فيه أجزاء لحمية ، وأجزاء عظمية ، وأجزاء أرضية ، وأجزاء سماوية وغير ذلك . وإن هذه الأجزاء دائمة الحركة ، فإذا اتفق منها أجزاء اجتمعت فصارت مثلًا أرضًا أو سماءً أو فرسا ونحو ذلك . فإن صلح ذلك للبقاء بقي ، فإن صلح مع ذلك للنسل نسل ، واستمر نوعه بالتواليد وما لم يصلح لذلك فتي وفسد . ولا امتنع عند هؤلاء في أن يوجد ما نصفه إنسان ونصفه سمكة أو بغل ونحو ذلك ، وليس شيء من ذلك مقصودًا بحكمة أو غرض ولعل في ذلك الفضاء عوالم لا نهاية لها ، ونباتات ، وحيوانات على هيئات غير معهودة عندنا . والحق أن هذا باطل ، وأن الله تعالى ، وإن كان لا يفعل لغرض ، فأفعاله لا تخلو عن الحكم ، ولولا ذلك لكان هذا الوجود عبثًا وهو محال ، وتحقيق هذا إلى علم آخر . والذي ينبغي أن نقوله الآن: أن الخالق تعالى وحده لعنايته بهذا العالم يعطي كل متكون ما هو له أفضل من الجوهر والكم والكيف وغير ذلك . فأي شيء من ذلك علم وجوده لعضو علم كذلك ظن أنها هي الغاية ، وإن كان يجوز أن تكون خلقته لذلك لسبب آخر خفي عنا لا لما ظنناه منفعة .