(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب, وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير , أن تنسوا أنفسكم (أي: تتركونها) فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به, وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟
قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق.
-قال الشوكاني: قوله (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارئ تاليًا، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه.
وقوله (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) استفهام للإنكار عليهم.
-قوله تعالى (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) المراد بالكتاب هنا التوراة، وهذا قول أكثر العلماء.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم, فتنتبهوا من رقدتكم, وتتبصروا من عمايتكم.
-قال الطبري: أي أفلا تفقهون وتفهمون.
-قال الرازي: قوله (أفلا تعقلون) فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) وسبب التعجب وجوه:
الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال (أفلا تعقلون) .
الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببًا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعيًا لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال (أفلا تعقلون) .
الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذًا في القلوب، والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثرًا في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرًا في القلوب، فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي - رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك.
-قال السعدي: وسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصًا إذا كان عالمًا بذلك، قد قامت عليه الحجة.
-قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي: وتتركون أنفسكم، فالنسيان هنا المراد به الترك.
والنسيان في القرآن يطلق على معنيين:
المعنى الأولى: بمعنى الترك: ومنه قوله تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) نسوا الله: أي: تركوه فلم يقوموا بحقه، فنسيهم: تركهم سبحانه فلم يجبهم، ومنه قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي تركوه (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها إذا لم يعطوا الله حقه، ومنه قوله تعالى (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نترككم في النار.