-قال القرطبي: خصّ الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهًا بذكرها.
لأن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.
-قال ابن القيم: والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن، وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ الصحة والبدن وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استُدفِعتْ شرور الدنيا والآخرة، ولا استُجلبتْ مصالحهما بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله، وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه، والعافية والصحة والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه.
-وقال الشنقيطي في بيان سر أن الصلاة معينة على أمور الدنيا والآخرة: لأن العبد إذا وقف بين يدي ربه، يناجي ربه ويتلو كتابه، تذكر ما عند الله من الثواب، وما لديه من العقاب، فهان في عينه كل شيء، وهانت عليه مصائب الدنيا، واستحقر لذاتها، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله.
(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) أي وإن الصلاة لكبيرة وثقيلة وشاقة.
-قال الشوكاني (وإنها لكبيرة) والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها؛ لما يجده عند تحملها، والقيام بها من المشقة.
-والضمير في قوله (وإنها لكبيرة) عائد إلى الصلاة، واختار ذلك ابن جرير، لأنها أقرب مذكور.
-وقيل عائد على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى (ولا تستوي الحسنة .. ) أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.
-قال ابن الجوزي: قوله تعالى (وإِنها) في المكنى عنها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الصلاة، قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور.
والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.
والثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال (واستعينوا) دل على الاستعانة.
وقال القرطبي قوله تعالى (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) اختلف المتأوّلون في عود الضمير من قوله (وإنها) :
فقيل: على الصلاة وحدها خاصة.
وقيل: عليهما، ولكنه كَنَى عن الأغلب وهو الصلاة؛ كقوله (والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله) ، وقوله (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا) فردّ الكناية إلى الفضة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم.
وقيل: إن الصبر لمّا كان داخلًا في الصلاة أعاد عليها؛ كما قال (والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز.
(إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) فإنها خفيفة عليهم.