الصفحة 129 من 516

وقيل: هو العسل، وهذا قول الشعبي.

قال الماوردي: قوله عز وجل (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ .... ) فيه سبعة أقاويل:

أحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس.

والثاني: أن المنَّ صمغة، وهو قول مجاهد.

والثالث: أن المنَّ شرابٌ، كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء، وهو قول الربيع بن أنس.

والرابع: أن المنَّ عسل، كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيدٍ.

والخامس: أن المن الخبز الرقاق، وهو قول وهب.

والسادس: أنه الزنجبيل، وهو قول السدي.

والسابع: أنه الترنجين.

قال ابن كثير: والله أعلم أنه أكل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس فيه عمل ولا كد، وفي الحديث قال - صلى الله عليه وسلم - (الكمأة من المن) أي: من جنس ما منّ الله به على بني إسرائيل، حيث إنه يوجد - فضلًا من الله - من غير تعب.

(وَالسَّلْوَى) عامة المفسرين على أن السلوى طائر حلو اللحم، وهو السُّمَانَى.

قال ابن عطية: السلوى طائر بإجماع المفسرين.

(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المنّ والسلوى.

وهما طيبان حسًا ومعنى، للذاذة طعمهما وحلِّيتهما شرعًا، لأنهما منّ وفضل من الله جل وعلا.

فالطيّبْ هنا شامل لطيب الإباحة وطيب اللذاذة، لأن الطيبْ يطلق إطلاقين: يطلق طيبًا من جهة الإباحة وعدم الشبهة، ويطلق طيبًا من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا.

(وَمَا ظَلَمُونَا) أي: ما نقصونا شيئًا، لأن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين.

(وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدونا فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، فظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ومقابلة النعم بالمعاصي.

كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) .

وفي الحديث القدسي ( ... يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ... ) .

-قال ابن كثير: ومن هنا يتبين فضيلة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، ولم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الفوائد:

1 -بيان شيء من نعم الله على بني إسرائيل.

2 -أن الغمام يسير بأمر الله تعالى.

3 -أن لحوم الطيور من أفضل اللحوم.

4 -الأكل من الطيبات.

5 -تحريم الأكل من الخبائث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته، وخبيث لكسبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت