الصفحة 137 من 516

وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم) أي ما طلبتم, ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه.

ظاهر هذا أن موسى لم يسأل الله لهم، لأن هذه التي طلبوها متوفرة موجودة في كل مكان.

(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي وضعت عليهم وأٌُلْزِموا بها شرعًا وقدرًا أي: لا يزالون مستذلين , من وَجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار, وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.

-قيل: الذلة: الصغار، والمسكنة: الفقر والخضوع.

-قال الرازي (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّة) فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.

-وقال القرطبي: أي أُلزِموهما وقُضِيَ عليهم بهما. والذَّلّة: الذُّلّ والصَّغار، والمسكنة: الفقر، فلا يوجد يهوديّ وإن كان غَنِيًا خاليًا من زِي الفقر وخضوعه ومهانته.

(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: رجعوا وانقلبوا متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة, وإحلال الغضب بهم من الذلة, بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله, وإهانتهم حملة الشرع, وهم الأنبياء وأتباعهم, فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم, فلا كفر أعظم من هذا, إنهم كفروا بآيات الله, وقتلوا أنبياء الله بغير الحق.

-وقال القرطبي: قوله تعالى (بِغَيْرِ الحق) تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه.

فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق؛ ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به، قيل له: ليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيمًا للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله (بِغَيْرِ الحق) عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله.

-وقال السعدي (بغير الحق) زيادة شناعة , وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق, لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.

-عن ابن مسعود. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين) رواه أحمد.

-قال القرطبي: فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟

قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم.

وقال ابن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر.

(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي, والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به, والله أعلم.

-قال السعدي: واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت