الصفحة 42 من 516

ثانيًا: ننذرهم رجاء انتفاعهم.

كما قال الواعظون من بني إسرائيل (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .

ثالثًا: تبرئة الذمة وقيامًا بالواجب.

كما في الآية السابقة (معذرة إلى ربكم) أي قال الناهون: إنما نعظكم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير.

-قال الرازي: الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى.

-قال القاسمي: سؤال: فإن قيل: لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة في قوله تعالى (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) ؟

الجواب: لأنهم ليسوا أهلًا للبشارة ولأن الإنذار أوقع في القلوب ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع البشارة رأسًا.

(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) الختم: الاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فالمعنى: أن الله ختم على قلوب هؤلاء وطبع عليها، بحيث لا يخرج منها شر ولا يدخل إليها خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها، لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصب إليها شيء آخر.

والمعنى: ذكر الله تعالى المانع لهؤلاء عن الإيمان وهو أن الله ختم وطبع على قلوبهم وعلى سمعهم بطابع لا يدخلها الإيمان ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم وعلى أبصارهم غشاء وغطاء تمنعها من النظر إلى الذي ينفعهم، وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعدما تبين لهم الحق.

قال القرطبي: الختم يكون محسوسًا كما بينا، ومعنىً كما في هذه الآية.

فالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته، وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعُوا إلى وحدانيته، وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته؛ هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم.

-وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى (خَتَمَ الله) بيَّن سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله (ختم الله) .

والختم مصدر ختمت الشيء ختمًا فهو مختوم ومختّم؛ شدّد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء؛ ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه.

-قال ابن عاشور: قوله تعالى (خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة) هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختمًا وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب.

-الختم يكون على القلب والسمع، والغشاوة على الأبصار، كما قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) . والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية.

-فإن قيل لم خص القلب بالختم دون سائر الجوارح؟ فالجواب: لأنه محل الفهم والعلم.

-فإن قيل لم خص الله هذه الأعضاء بالذكر؟ فالجواب: قيل إنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت