-فإن قال قائل: إن الله بيّن أنه ختم على قلب هؤلاء وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فكيف يعاقبهم الله وقد جعل فيهم هذه الأمور المانعة من الإيمان؟
الجواب: إن القرآن بيّن أن هذا الطبع وهذا الختم لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، وقد دلت آيات كثيرة على أن الله عز وجل يسبب للإنسان الضلالة بسبب ارتكاب الذنوب كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، قال تعالى (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) (الباء) في قوله (بِكُفْرِهِمْ) سببية، فبيّن أن هذا الطبع بسبب كفرهم، وكقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) .
-قوله تعالى (على قلوبهم) القلب سمي بذلك قيل: لأنه خالص كل شيء، وقيل: لسرعة تقلبه.
-قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم ... ) فيه أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر وإما بالقلب، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم: فلا تعي ولا تفقه ولا تتعظ ولا تنزجر ولا تتأثر، وختم على سمعهم: فلا تسمع ما تنتفع بها، وجعل على أبصارهم غطاء: فلا يرى ما ينفعه، بل يرى ما يضره ويهلكه.
-قال القرطبي: قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم) قال القرطبي: قال أهل المعاني: وصف الله قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والريْن والموت والقساوة والانصراف والحميّة والإنكار.
فقال في الإنكار (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) ، وقال في الحمية (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) ، وقال في الانصراف (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ، وقال في القساوة (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وقال (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ، وقال في الموت (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ، وقال في الرين (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، وقال في المرض (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ، وقال في الضيق (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) ، وقال في الطبع (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ، وقال في الختم (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) .
-قال ابن عاشور: وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و (أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله (يجعلون أصابعهم في أذانهم) وقوله (وفي آذاننا وقر) فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.
وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعًا كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضًا متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت.
وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعًا متساويًا وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعًا واحدًا.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: ولهؤلاء الكفار عقوبة عظيمة في نار جهنم، فإن مصير الكفار في نار جهنم يعذبون أشد العذاب، يعذبون جسديًا ونفسيًا.