(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع. بالغ الإيلام الغاية العظمى، كما قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) .
-قال هنا في المنافقين (ولهم عذاب أليم) بينما قال في الكفار كما تقدم (ولهم عذاب عظيم) لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى.
(بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: بتكذيبهم وهو قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر) ، وفي قراءة أخرى (يُكذِّبُون) أي يكذبون بالله ورسوله، والمنافقون اجتمع فيهم الوصفان: فهم كاذبون في دعواهم الإيمان، ومكذبون لله ولرسوله، كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ، وقال تعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .
الفوائد:
1 -مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر وخداع، ولذلك قال تعالى في سورة المنافقين (هم العدو فاحذرهم) فحصر العداوة فيهم، لأنهم مخادعون.
2 -أنه يجب الاحتراز والتحفظ من المنافقين لأنهم أهل خداع ومكر.
3 -أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. كما قال تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) .
4 -أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وأن مرض القلوب أعظم وأخطر من مرض الأبدان، قال ابن القيم: والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه، إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعة، وذلك موت القلب والروح.
5 -يجب الاهتمام بالقلب، والحذر من مرضه والحرص على حياته. وأن يدعو الله دائمًا وأبدًا بتثبيته على الحق، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.
وأن يدعو الله أن يكون سليمًا، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول (اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا .. ) .
وأن يحذر من التساهل في أمر القلب، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) . رواه مسلم
وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) .
وإذا صح القلب صح الجسد، كما قال - صلى الله عليه وسلم - (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه
وأن يحذر من قسوة القلب، كما قال تعالى (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) .
6 -أن القلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت.
فالقلب السليم: هو القلب الذي سلم من الشرك، ومن البدعة، ومن كل آفة يراد بها غير وجه الله.
والقلب المريض: هو القلب الذي فيه مادو حياة ومادة مرض.
والقلب الميت: هو قلب الكافر.
7 -أن الإيمان يزيد وينقص.
8 -أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها.
9 -أن من أسباب عذاب المنافقين كذبهم، وهذا من الأسباب، وإلا فالسبب الرئيسي هو كفرهم بالله تعالى.