10 -التحذير من الكذب وأنه من صفات المنافقين، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) متفق عليه، وهؤلاء المنافقون جمعوا بين الكذب والتكذيب وهذا شر الأحوال.
11 -فيه دليل على أن الله لا يعاقب أحدًا إلا بسبب ذنبه ومعصيته لقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) .
كما قال تعالى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) .
وقال تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
وقال تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا) .
وقال تعالى (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) .
12 -فيه تنفير وتقبيح من الكذب كما سبق، وفي هذا إشارة إلى أن السبب في استحقاقهم العذاب هو أنهم كانوا يكذبون، ومن المعلوم أن هذا أحد الأسباب في عذابهم، لأن الأسباب كثيرة في استحقاقهم العذاب، لكن قد يعبر الله تعالى عن إهلاك الكفار ببعض ذنوبهم تنفيرًا منه وتقبيحًا له كما قال تعالى في قوم نوح (مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا) وقوم نوح كان سبب هلاكهم كفرهم بالله، لكن خص الخطيئات تقبيحًا لها.
13 -أن المؤمن قلبه سليم، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) .
[البقرة: 11 - 12] .
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد المنافقين لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا قائلين:
-قال القرطبي: قوله (لاَ تُفْسِدُوا) "لا"نهي، والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها.
فَسَد الشيء يَفْسِدُ فَسادًا وفُسودًا وهو فاسد وفِسيد.
والمعنى في الآية: لا تُفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
-قال ابن عاشور: والقائل لهم (لا تفسدوا في الأرض) بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلمًا بأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية.
(قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فجمعوا في قولهم هذا بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلبًا للحقائق وجمعًا بين فعل الباطل واعتقاده حقًا.
الفساد: ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها، والمعنى: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن.
-قال بعض العلماء: تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كما قال الله فيهم (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا) .