الصفحة 58 من 516

-اختلف العلماء في هذا المثل هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة، فذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد نارًا، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى (ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا) .

وذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد نارًا، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف.

-قال أبو السعود: (أَوْ كَصَيّبٍ) تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل، ليعُم البيانُ منها كل دقيق وجليل، ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل، فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال، ويرخى في حلبته أعِنّةُ المقال، ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب، ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب.

-قال ابن عاشور: والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة، فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في قوله تعالى (مَثَلُهم كمَثَل الذي استوقد) بنوع إطلاق وتقييد.

-قوله تعالى (فِيهِ ظُلُمَاتٌ) أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر. (ورعد) وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، (وبرق) وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر.

-ضرب الله في هذه الآية مثلًا لما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا .... ) متفق عليه.

-قال السعدي: فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة، وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلمًا.

-قوله تعالى (يجعلون أصابعم في آذانهم من الصواعق) أي: كلما تليت عليهم آيات الكتاب العزيز جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كما فعل قوم نوح إذ حكى نوح عليه السلام فعلهم معه فقال (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا) .

-قوله تعالى (يجعلون أصابعهم) أي أطراف أصابعهم وهي الأنامل، وهذا من باب تسمية الكل والمراد به البعض.

(وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) تهديد للكافرين، فالله جل وعلا محيط بالكافرين وبأعمالهم، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله، فلا يتمكنوا أن يفروا من الله ومن عذابه وسطوته.

-قال القرطبي: فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره؛ كما قال (والأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة) .

-وقال ابن الجوزى: قوله تعالى (والله مُحيط بالكافرين) فيه ثلاثة أقوال.

أحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (أحاط بكل شيء علمًا) .

والثاني أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله تعالى (وأحيط بثمره) .

والثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون.

الحاوى في تفسير القرآن الكريم كاملا (36/ 51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت