الصفحة 63 من 516

المعنى الأول: العلو، كقوله تعالى (أنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا العلو، لأن المطر ليس ينزل من السماء السقف، بل ينزل من العلو.

المعنى الثاني: المراد بالسماء السقف كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى (والسَّمَاءَ بِنَاءً) .

-قال الشنقيطي: وخلق السماوات والأرض من براهين البعث، لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم، فهو على غيره قادر من باب أحرى، وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة:

كقوله تعالى (لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس) ، وقوله (أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم) ، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى بلى) ، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) ، وقوله: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.

(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) أي: أنزل من السماء مطرًا عذبًا فراتًا أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار.

كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) .وقال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) .

-المراد بقوله (السماء) العلو، لأن المطر ينزل من السحاب.

-هذا أيضًا من براهين البعث، فإحياء الأرض بعد موتها من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت.

كما أشار له هنا بقوله (وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ) .

وأوضحه في آيات كثيرة كقوله (َمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وقوله (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الخروج) ، يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظامًا رميما. وقوله (وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) ، وقوله تعالى (حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان) .

-قال القرطبى: ودلّت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق؛ ولهذا قال عليه السلام مشيرًا إلى هذا المعنى (والله لأنْ يأخذ أحدُكم حَبْلَه فَيَحْتطِبَ على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أو منعه) أخرجه مسلم.

ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها؛ فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زُخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله نِدًّا.

(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الأندادًا: جمع ند، وهو الكفء والنظير والمثيل، أي فلا تجعلوا لله أشباهًا ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون: أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال.

-في الآية تحريم اتخاذ الأنداد من دون الله، وهو أعظم ذنب يفعله الإنسان.

قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) .

وقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) .

وقال تعالى (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت